مقابلات

فاطمة الشريفي: أهتم في أعمالي الفنية بإظهار المرأة كما هي قوية وهشّة في آن واحد

اكتشفت الفنانة الإماراتية الشابة فاطمة الشريفي العالم الواسع من خلال الرسم والتعبير الإبداعي، منطلقة من ذكرياتها الأولى في الرحلات العائلية حيث كانت تحرص على أخذ دفتر الرسم معها لتوثق أجمل اللحظات، وصولاً إلى دراسة الفنون والاستفادة من البرامج الفنية التي اختبرتها لكي تعمّق معارفها الثقافية، وهي اليوم ناشطة في المجال الإبداعي تشارك أعمالها عبر صفحتها على إنستغرام: fatimas_art وقد اخترناها لتكون معنا في عدد يناير فتعبر من خلال فنها عن معنى الذكريات واللحظات المميزة في حياتنا، فاكتشفي المزيد عنها في هذا اللقاء.

 ما هي ذكرياتك الأولى عن موهبتك الفنية والتصميمية؟

أذكر دائماً كرّاسة الرسم وأقلام التلوين التي كنت أحرص على أخذها معي في رحلة برية طويلة قمت بها مع عائلتي. انطلقنا بالسيارة من الإمارات وصولاً إلى تركيا، مروراً بعدة دول في الطريق. والدي كان محباً للسفر ويجوب العالم بسيارته، وكانت كرّاسة الرسم تُحزم قبل ملابسي. امتلأت تلك الصفحات برسومات من كل بلد زرناه، وبعد 25 عاماً، ما زلت أسافر حول العالم ومعي كرّاسة رسم توثّق رحلتي بالطريقة نفسها.

كيف ساعدتك دراسة الفنون والصناعات الإبداعية في جامعة زايد لكي تفهمي جيداً أبعاد العمل الفني وتحددي الطريق الذي تريدين أن تسلكيه لبناء مستقبلك فيه؟

لم يكن التأثير محصوراً بدراستي في جامعة زايد فقط، بل امتد أيضاً إلى البرامج الفنية التي حظيت بالمشاركة فيها، مثل التدريب في بينالي البندقية مع مؤسسة الشيخة سلامة، وبرنامج SEAF بالشراكة مع جامعة رود آيلاند. هذه التجارب مجتمعة ساعدتني على فهم تاريخ الفن وتقدير أبعاده بشكل أعمق. كما ساعدتني على فهم ذاتي الفنية، ولماذا أرسم بالطريقة التي أرسم بها. ممارستي كانت ولا تزال حدسية إلى حد كبير، لكنني اليوم أفهم المعاني الكامنة خلفها، سواء في اختياراتي التعبيرية أو في علاقتي بالألوان وطريقة مزجها. 

تبرز الوجوه بقوة في أعمالك، ما هي خصوصيتك في رسمها سواء وجوه مجهولة أو لمشاهير من العالم؟

الوجه بالنسبة لي مساحة إنسانية مفتوحة. لا أبحث عن التشابه الدقيق بقدر ما أبحث عن الحالة، النظرة، أو الشعور العابر. سواء كان الوجه مجهولاً أو لشخصية معروفة، ما يهمني هو الصدق العاطفي خلف الملامح.

المرأة حاضرة بقوة في أعمالك أيضاً، ما هي القضايا التي تخص النساء والتي تهتمين بنقلها للمشاهد من خلال أعمالك الفنية؟

أهتم بإظهار المرأة كما هي، قوية وهشّة في آن واحد. أركّز على مشاعرها الداخلية، صمتها، وتناقضاتها، بعيداً عن الصور النمطية. أعمالي لا تقدّم إجابات بقدر ما تفتح مساحة للتأمل والتعاطف.

ما هو أكثر عمل فني تفتخرين بإعداده، وأخذ منك الكثير من الوقت والمجهود والتركيز ليخرج بصورة ترضيك؟

أفخر بتجربة اختياري كواحدة من ثلاث إماراتيات للتدرّب في مجال تصميم العملات وتأمينها، وهي تجربة جمعت بين الإبداع والدقة، وتطلبت تركيزاً عالياً، وكان لها أثر مهم في مسيرتي المهنية.

وبجانب ذلك، هناك عمل فني شخصي قريب إلى قلبي، وهو رسم بالحبر بحجم A5، مليء بالنباتات والورود التي تحيط بي، بينما أظهر في المنتصف كمساحة فراغ قد لا يلاحظها المشاهد من النظرة الأولى، لكنها تتكوّن وتندمج تدريجياً داخل العمل. استغرق إنجازه أياماً وساعات طويلة، وقمت برسمه بيدي اليسرى رغم أنني عادة أستخدم اليمنى، كطريقة للابتعاد عن التحكم الواعي والسماح لنفسي بالرسم بشكل أكثر عفوية. كنت في حالة هدوء وتأمل، وهذا ما جعل العمل يعكس إحساساً صادقاً وعميقا.

حين تنتهين عن عمل فني، ما هي المشاعر التي تحبين تحريكها لدى الآخر؟

بالنسبة لي، العمل الفني هو حوار صامت بيني وبين المتلقي؛ أشارك من خلاله جزءاً مني، وأمنحه في المقابل حرية أن يشارك إحساسه وتجربته. ولأنني لست حاضرة دائماً لشرح العمل، يبقى شعوره ورأيه هما الوسيلة الوحيدة للتواصل، وهذا ما أشجعه وأحترمه في تجربتي الفنية. المهم أن يشعر بأن العمل لامسه بشكل شخصي كيفما يريد. 

ما هي مصادر إلهامك؟ وكيف تحولين الفكرة في ذهنك إلى لوحة جديدة ومليئة بالإبداع؟

الإلهام عندي يأتي بشكل أساسي من السفر، الثقافات المختلفة، الموسيقى، والناس، والطبيعة. كل عمل يبدأ بإحساس قبل أي فكرة واضحة، وللفترة الأخيرة صرت أحتاج أن يكون هذا الإحساس قويّاً حتى أقدر أندمج مع الحبر أو الألوان وأدخل في حالة تدفّق. وكأي فنان، أمر أحياناً بحالات جمود فني، لكنني أتعامل معها كجزء طبيعي من الرحلة. عندما تتكوّن المشاعر، أبدأ بالرسم أو التدوين بعفوية، وتتشاعر اللوحة تدريجياً على الورق أو القماش

إلى أي مدى تأثرتِ بالإمارات في أعمالك الفنية والتصميمية؟

تأثير الإمارات في أعمالي أعمق من الزخارف أو الرموز البصرية المرتبطة بالتراث. هو إحساس متجذر بالهوية والفخر، وبروح المجتمع التي نعيشها كإماراتيين، وكيف نقف مع بعضنا وندعم بعضنا البعض. تأثرت أيضاً بتواضع قادتنا وقربهم من الناس، وبالفكرة التي ترسخت فينا منذ البداية أن لا شيء مستحيل، وأن أي فكرة، مهما بدت غريبة، تستحق أن تُجرب. كل هذا يجري في داخلي وأنا أرسم، ويمنحني شعوراً قوياً بذاتي يظهر بشكل غير مباشر في اختياراتي البصرية، وفي طريقة تعاملي مع الموضوع والفراغ

هل تعتقدين أن للفن دوراً توعوياً قوياً في القضايا الاجتماعية والمعيشية المختلفة؟

نعم، أؤمن بأن الفن وسيلة توعوية مؤثرة، لأنه يخاطب المشاعر قبل العقول. الفن لا يفرض رأياً، لكنه يفتح باباً للفهم والحوار.

تتعاملين مع مجلة هيا في عدد شهر يناير المخصص للحظات المهمة التي تشكل حياتنا. كيف ستعكسين هذه الفكرة في أعمالك على صفحاتها؟

هذه الفرصة جاءت في توقيت مثالي بالنسبة لي. أعمل على أعمال هذا العدد من مجلة هيا وأنا أعيش لحظة شخصية مهمة في حياتي، زماناً ومكاناً. حالياً أنا في رحلة إلى رواندا في أفريقيا، أخلق منها أعمالاً فنية مرتبطة بهذه المرحلة. الرحلة بدأت بهدف لقاء صديقة تعرّفت عليها خلال رحلة فردية لي في أوروبا، ومع الوقت أصبحت كالأخت. كل شيء بدأ بمحادثة بسيطة بيننا قبل سنوات في لشبونة، واليوم نلتقي في بلدها بعد أن قدمت من هولندا خصيصاً للقائنا. هذا اللقاء أصبح نقطة مشتركة في حياتنا، وأشعر بالامتنان لأن مجلة هيا توثّق هذه اللحظة وتشاركها مع القرّاء من خلال أعمالي

ما هي أجمل اللحظات التي عشتها وأسهمت في أن تكوني الشابة التي أنتِ عليها اليوم؟

اللحظات التي شعرت فيها بأنني مختلفة، لكنها دفعتني لفهم نفسي أكثر. تلك الفترات من التساؤل والنمو شكّلت شخصيتي ومنحتني وعياً أعمق بذاتي.

هل يوجد حكمة أو قول أو كتاب أثّر بك وتعودين إليه من حين لآخر؟

“ليس كل شيء يحتاج إلى رد فعل”. أعود إلى هذه الفكرة كثيراً، خاصة في لحظات الضغط، لأنها تعيد لي التوازن.

ما هي أغلى ذكريات طفولتك التي لا تزال تعني لك لليوم؟

كل لحظة قضيتها مع والدي هي ذكرى عزيزة على قلبي.

حدثينا عن أكثر حدث لا يُنسى مررت به خلال سنوات مراهقتك ودراستك الجامعية؟

أدركتُ مبكرًا أنني أنظر إلى العالم بنظرة مختلفة عن الآخرين، وأنني أتعلم بطريقة مختلفة، فقد تعلمتُ من خلال الرسم بدلًا من الكتابة. هذا الوعي صقل ثقتي بنفسي، وفي الوقت نفسه، شعرتُ بشيء من الغربة.

ما هي أجمل صورة لا تُنسى من تجمع عائلي مميز؟

صورة عفوية لي وأنا أرقص، ووالدي في الخلف ينظر إليّ. لم يكن أحد يتخذ وضعية معينة، إلا أنا، فقد بدوتُ كأنني نجمة!

ما هي أجمل إجازة قضيتها حتى الآن؟

الرحلة التي أقضيها الآن وأنا أكتب هذه الإجابات. لا أسعى وراء معالم أو مواعيد محددة. فقط أتجول، وألتقي بأعز صديقاتي، وأتناول ما لذ وطاب، وأراقب الناس، وأستمتع بالثقافة، وأشعر بالراحة النفسية لأول مرة.

ما هو مكانكِ المفضل في المنزل حيث تقضين أسعد لحظاتكِ؟  وما هو مكانكِ المفضل للاسترخاء والراحة والهروب من ضغوط الحياة؟

هي زاويةٌ تُشعرني بالراحة، كرسي برتقالي بجوار نافذتي. حيث أُبدع، أتأمل، أو أجلس في صمت دون الحاجة لتبرير نفسي لأحد. وأي مكان قريب من الطبيعة والمساحات الخضراء. أعشق الحدائق، فهي مكانٌ أستطيع فيه الرسم، وتهدئة أفكاري، وتذكيري بأن ليس كل شيء يحتاج إلى إصلاح فوري.

ما هو النشاط أو المغامرة الأكثر متعة التي خضتِها حتى الآن؟

السفر بمفردي. لقد علمني الثقة بالنفس، والمثابرة، وأدركت من خلاله روعة شعوري بالراحة مع نفسي.

ما هي أكثر فترات حياتك التي لا تُنسى، وكيف شعرت خلالها؟

هي فترة نموّ مكثّف وشعور بعدم اليقين. شعرتُ بالإرهاق، والضغط النفسي، والحيوية في آنٍ واحد. وثّقتُها بالكتابة والرسم.

ما هي أكثر هدية حصلت عليها وأثّرت فيك؟

ليست هدية مادية. بل شخص آمن بي في وقت لم أكن متأكدة فيه من إيماني بنفسي.

هل تخشين أن يؤثر التطور التكنولوجي على الإحساس الفني بشكل عام وعلى عملك بشكل خاص؟ وكيف تحرصين على تضمين أعمالك لمسة من الفرادة؟

لا أخشاه، بل أتعامل معه كأداة. ما يهمني هو الحفاظ على الحس الإنساني واللمسة الشخصية في العمل، لأن الفرادة تأتي من التجربة الذاتية لا من الوسيلة.

 ما هي طموحاتك وأفكارك التي ترغبين بتحقيقها في العام الجديد؟

في العام الجديد، أطمح إلى التعمّق أكثر في عالم الفن، أن أكون محاطة به بشكل يومي؛ أرى الفن، أمارسه، وأتحدث عنه. أفتقد كثيراً المجتمع الفني ووجود المبدعين من حولي، لأنهم يفهمون هذه اللغة ويشبهونني. هذا العام أحتاج أن أكون مفهومة، وأن أعود إلى الإحساس بالانتماء، مع الاستمرار في تطوير لغتي البصرية والعمل على مشاريع تحمل قيمة إنسانية وثقافية.

اقرئي المزيد: آنا ليز كورديرو: تقدم الطبيعة ألوانًا دقيقة وملمسًا وحتى عيوبًا تحمل لغتها الأجمل

المجلات الرقمية

قد يهمك أيضاً

اشترك في صحيفتنا الإخبارية