حين تخرج الكلمات صادقة متدفقة، تبدأ قصة الأغنية. تعبر إلى الروح من دون استئذان، ولا سيما إذا رافقها صوت ولحن جديدان. ولتكتمل فصول الحكاية، نلتقي صاحبة الموهبة “شرقية”، التي اختارت اسماً يدل على منطقة من مناطق بلدها السعودية، وانتقت أفكاراً من الشرق والغرب ودمجتها في فنّها. تتألق شرقية على غلاف مجلة هَيا لعدد أكتوبر، في تعاون مع دار Prada، فرافقيها في رحلة اكتشاف الذات وبلورة موهبتها الفنية الكبيرة، وسط جمهور يرحّب بالابتكار والتجديد.
رئيسة التحرير: Sima Maalouf
تصوير: Greg Adamski
إشراف إبداعي: Sana Jamali
مساعدة في التنسيق: Sahar Ghobar
مساعدة في التصوير: Mark Andrew Navarro
مكياج: Michel Kiwarkis
شعر: Mattia Esposito
إنتاج: Kristine Kay Dolor
مساعدة في الإنتاج: Kathleen Padrid
الإطلالات كلّها من مجموعة خريف وشتاء 2026 من Prada
“شرقية” هو الاسم الذي اخترتِه لنفسكِ للانطلاق في مجال الفن، فإلى أي مدى تكرّمين جذوركِ من خلاله؟ وإلى أي مدى تعرّفين به جمهوراً عالمياً أوسع، ولا سيما أن أسلوبكِ الفني والموسيقي يجمع الشرق والغرب؟
“شرقية” هو الاسم الذي اعتاد زملائي في صف الرقص مناداتي به، للدلالة على أصولي من المملكة العربية السعودية. كنت أحبه وأشعر بالفخر لأنه يعكس جذوري ويعبّر عن أسلوبي في الفن الذي أريد تقديمه. وبما أن كثيرات من الشابات اسمهن سارة، وهو بالمناسبة اسمي الحقيقي، فقد شعرت أن اسم «شرقية» يميّزني. وحين أخبرت والدتي بذلك أعجبتها الفكرة كثيراً وشجّعتني على أن أختاره اسماً لصفحتي على إنستغرام. وبالفعل فعلت ذلك وبتّ معروفة به، وهو يتناسب كثيراً مع رؤيتي الفنية. ومن جهة ثانية، نسمع كثيراً عن مدن مثل جدة والرياض، لكننا لا نعرف الكثير عن المنطقة الشرقية، فكان الاسم طريقة لتعريف العالم بأهل الشرقية، ولا سيما من لا يعرفون شيئاً عن مناطقنا وعاداتنا وطريقة تفكيرنا. فكنت أفتح حوارات معهم تبدأ بالاستفسار عن اسمي وتنتهي بمزيد من المعلومات والنقاشات الفنية والثقافية. وأضيف هنا أنني أحب الاسم كثيراً، وجميع من حولي ينادونني به، حتى إن بعضهم لا يعرفون اسمي الحقيقي، وهذا لا يزعجني.

فستان من الأورغندي
تنّورة ميدي من الأورغندي المزخرف
توب من البوبلين
جوارب من القطن تصل لفوق الركبة
كعب سلينجباك من الستان المزخرف
كلّها من Prada
كيف أثّرت نشأتكِ بين ثقافات متنوعة في تكوّن شخصيتكِ والصفات التي تميّزكِ اليوم؟
ا ابنة رجل سعودي وامرأة لبنانية، فأنا نصف شامية ونصف خليجية، لكنني في المحصلة عربية مئة في المئة. عشت في المملكة وعرفت نمط الحياة والتفكير فيها، وقصدت لبنان وأحببته وعرفت كثيراً من القيم والأفكار التي تميّز شعبه، وأشعر أنني منه بشكل كبير أيضاً. وهكذا تكوّنت أفكاري وشخصيتي مزيجاً من ثقافتين، لكل واحدة جمالها وخصوصيتها. وأسهم عيشي في نيويورك ولوس أنجلوس في اكتسابي أفكاراً جديدة وتوسيع رؤيتي الخاصة للحياة والعالم، فأنا عربية أتأثر بالغرب وبالأشخاص الذين أقابلهم فيه من جنسيات مختلفة، فآخذ منهم وأعطيهم في المقابل، وأفهم طبيعتهم واختلافهم وأحترمه. وقد سمح لي هذا التنوّع بأن أتقبّل التغيير السريع في حياتي إن حصل، ولا أجد صعوبة في التأقلم مع أي جديد. لذا أنا اليوم امرأة تحب التغيير والتطور وتشجّع عليه، لأن المراوحة تعني في النهاية بدء التراجع والانكماش على الذات. ومن هنا أنا ممتنة كثيراً لكل المؤثرات الخارجية التي أسهمت في جعلي شخصية قوية ومنفتحة ومتقبّلة لكل ما تحمله الحياة من تحديات أو نجاحات.
ألم تشعركِ كثرة التنقل ببعض الضياع وبالرغبة في الانتماء إلى مكان واحد ثابت ودائم في حياتكِ؟
كنت أنزعج في طفولتي من كثرة التنقل، فأشعر بالارتباك لغياب الإحساس بالانتماء إلى بلد أو مكان أو أفكار واضحة ومحددة. لكن مع تقدمي في السن بدأت أشعر أنني محظوظة لأنني تعرّضت لثقافات كثيرة، وهذا ما يناسب ما نعيشه اليوم مع تأثير وسائل التواصل وانفتاحنا على مختلف دول العالم. وأعتبر أنني كنت مستعدة، فلم أعرف الضياع الذي قد يصيب البعض نتيجة تنوّع المحتوى وغزارته والتأثير الناتج عنه في شخصياتنا وثباتنا النفسي.

فستان من قماش مضغوط مزيّن بطبعات
جوارب من القطن تصل لفوق الركبة مزخرفة
كعب Prada Antiqued من الجلد
كلّها من Prada
ما الموسيقى التي رافقتكِ في مراحل حياتكِ المختلفة؟
اختلفت الأنماط الموسيقية التي أحببتها وتأثرت بها باختلاف البلد الذي عشت فيه. فحين كنت في لبنان أحببت الموسيقى والأغاني اللبنانية، وفي السعودية كنت أستمع إلى الكلمات والألحان الخليجية، وفي الولايات المتحدة أحببت الهيب هوب كثيراً، فإيقاعه ونغماته مميزة جداً بالنسبة إليّ. وخلال نشأتي كنت أستمع إلى كل ما يسمعه والدي، سواء من مغنين عرب مثل عمرو دياب أو أجانب مثل شون بول وإمينيم وكانيي ويست، وحتى الموسيقى اللاتينية. وفي لبنان، حين كنت عضواً في فرقة الرقص، تعرّفت إلى البوب الفرنسي وإلى الأفروبيت، وأحببت النوعين كثيراً. كما أذكر أنني حين كنت أقصد أعراس الأقارب وحفلاتهم في السعودية ولبنان، عشقت الأغاني اللبنانية والمصرية والخليجية الراقصة التي كانت سائدة. ففي ذهني أنماط موسيقية كثيرة اجتمعت معاً لتشكّل أسلوبي الفني.
هل تتابعين التغيّرات في ساحة الغناء العربي حالياً، مع ظهور شباب يقدّمون أفكاراً جديدة مثل سانت ليفانت وتوليت؟ وكيف تقيّمين هذه التجارب ونجاحها الجماهيري الكبير؟
بالتأكيد أتابع كل المغنين الجدد، وأنا معجبة بأسلوب كل واحد منهم، ولا سيما إليانا وتوليت وسانت ليفانت. وأتمنى أن أكون امتداداً لهم وجزءاً من الموسيقى الجديدة التي يقدّمونها ويطرحونها على نطاق عالمي أوسع من حدود الدول العربية. حين كنت صغيرة كنت أفكر أنه من المستحيل أن تغنّي شابة سعودية وتؤدي أمام جنسيات مختلفة وتصل بفنها إلى العالم. لذا فإن رؤية شباب من سنّي يحققون هذا الأمر رائعة وملهمة ومشجّعة، وأرغب في أن أكون واحدة من المغنيات الشابات اللواتي سيشجعن الجيل اللاحق على تقديم موهبته وطرحها من دون خوف من الفشل. ويمدّني نجاح هؤلاء الشباب بالقوة والثقة، ويدفعني إلى الاستمرار بقناعة أكبر بموهبتي. ونرى اليوم الموسيقى الأفريقية تحقق أصداء عالمية، وبرأيي أن الموسيقى العربية هي التالية في تحقيق النجاح والانتشار العالمي.

تنّورة من الستان المزخرف
حقيبة Prada Bonnie صغيرة من الجلد
كلّها من Prada
هل ترين أن فنكِ وموسيقاكِ امتداد لأفكار الجيل الحالي الباحث عن التغيير والتجديد بأسلوب يجمع الصدق والمباشرة والمواضيع القوية؟
أنا أنتمي إلى هذا الجيل وأعيش ما يختبره من مشاعر وأفكار، لكنني أركّز في فني على إحساسي أكثر، وأتواصل مع اللاوعي لتكون أفكاري صادقة وشفافة بشكل أكبر. ففي وعينا ندقّق ونحاسب أنفسنا، بينما أريد لفني أن يكون غير محدود بقيود مسبقة. وهنا أعيش صراعاً داخلياً، لأنني أشعر أنني ما زلت أراعي المجتمع والبيئة التي تربيت فيها، لكنني أحاول جاهدة أن أتبع حدسي وأقدّم فناً وموسيقى وكلاماً تعكس حقيقة ما يختلج في داخلي.
هل من إحساس أو رسالة تحرصين دائماً على إيصالها إلى الجمهور من خلال صوتكِ؟
آمل أن يشعر من يستمع إلى موسيقاي بأنها تحرّك فيه أحاسيس معينة، ففي النهاية نحن البشر نختبر أحاسيس تولّدها مواقف متشابهة. ولأنني امرأة صادقة في طرحي، لا بدّ أن تشعر شابات مثلي بما حرّكني لأقدّم هذا العمل.
كيف توازنين بين الحفاظ على جوهر الفن وحقيقته ومواكبة «الترند» ومتطلبات السوق السريعة، في ظل أغنيات تنجح لوقت قصير ثم تختفي ولا تترك أثراً حقيقياً؟
الطريقة الوحيدة لتحقيق هذا التوازن هي ابتكار فن مميز والتفكير في طريقة تسويق صحيحة لنشره على نطاق أوسع، بالاستعانة بوسائل التواصل التي لا يمكن إنكار قدراتها الكبيرة في دعم الأغاني الجديدة وطرحها على نطاق واسع من خلال «ترند» معيّن. صحيح أن معظم هذه الأغاني لا يدوم صداها طويلاً، وهذا ما أرفضه، لأن هدفي الأساسي من العمل الفني طرح أفكار تعمّر وتعيش معنا لسنوات ولا تتقيّد بموضة أو صيحة موسيقية واحدة. لكن لا يمكن أن نتغاضى عن الواقع، وعلينا أن نراعي السائد ونواكب التيار. ومن هنا أؤكد أهمية التسويق الصحيح لنقدّم فناً قيّماً وملائماً لسوق اليوم.

جوارب من القطن تصل لفوق الركبة
حقيبة Prada Bonnie صغيرة من الجلد
كلّها من Prada
كيف تختارين مواضيع أعمالكِ؟
المواضيع التي أقدّمها تتمحور حول شابة في العشرينات من عمرها تحاول فهم الحياة حولها، سواء باختيارها مجالاً مهنياً يعتبره كثيرون في مجتمعها غير مناسب أو غير واعد لفتاة، فيتطلب منها الأمر خوض رحلة طويلة لاكتشاف ذاتها اكتشافاً عميقاً، لتقدّم ما يرضيها ويحقق لها رؤيتها التعبيرية. وهناك رسالة وراء رحلتي ومواضيعي بكل تأكيد، هي أن أقول للآخرين، وتحديداً للنساء، إن هناك طريقاً مرسوماً لكِ يخوّلكِ التعبير عن ذاتكِ، وعليكِ خوضه بلا خوف أو تردد، لأنه الوحيد الذي سيوصلكِ إلى الرضا والسعادة والإحساس بالإنجاز.
برأيكِ، من جمهوركِ المستهدف، وإلى أي مدى تلتقي أفكاركِ مع أفكار الشابات الخليجيات والسعوديات تحديداً؟
أعتقد أن النساء سيشعرن بفني أكثر من غيرهنّ، وتحديداً بنات جيلي، أولئك الراغبات في مستقبل أفضل ومجتمع داعم ومشجّع يفهمهنّ ويتقبّل مشاعرهنّ وتجاربهنّ دون أحكام مسبقة. لكنني أحب أن يعجب بأسلوبي الفني كل فئات المجتمع.
ما أجمل ذكرى تحتفظين بها من سنوات عملكِ الفني؟
اللحظة التي لا أنساها وقد عنت لي الكثير هي حين وقفت للغناء على المسرح للمرة الأولى بحضور جميع أفراد عائلتي، ولا سيما والدي، الذي كان الوحيد الذي رأيته بين الازدحام، وركّزت على نظرته والابتسامة التي علت وجهه وهو يراني. كان إحساساً بالأمان والسعادة والفخر، لأنني عرفت أنني أفعل الأمر الصحيح، وأن عائلتي تدعمني وتؤمن بموهبتي وستكون دائماً في ظهري. لم يكن طريقي سهلاً بصفتي شابة سعودية تخطو خطواتها الأولى في عالم الفن والموسيقى، لكنّ معرفتي بأن أهلي معي ومؤمنون بي ساعدتني وتساعدني في تخطّي كل الصعوبات.

جوارب من القطن تصل لفوق الركبة مزخرفة
حقيبة يد Prada Carry صغيرة من جلد السويدي
كعب Prada Antiqued من الجلد
كلّها من Prada
تدمج رؤيتكِ الفنية بين الصوت والحركة والسرد البصري، فكيف بنيتِ هذا الخط الفريد لنفسكِ؟ وما صعوبته وما متعته في المقابل؟
سبب رغبتي في أن أصبح فنانة هو أنني أملك جميع هذه الهوايات منفردة: الرقص والغناء والتأليف والتعبير بالحركات الجسدية. ولأنني أردت جمعها وتقديمها معاً وتعريف الجمهور بها، قررت أن أكون تحت الأضواء. تتجلى المتعة في القيام بما أحب طوال الوقت: الكتابة، والاستماع إلى الموسيقى، والتحرك الدائم، وإعداد الأغاني. أما الصعوبة فهي شعوري أحياناً بأنني أحمل الكثير فوق عاتقي، وهنا يأتي دور فريقي الذي يفهمني ويساعدني ويريحني أحياناً من كمّ المسؤوليات التي عليّ التعامل معها.
حدّثينا عن أغنيتكِ Watch Me. كيف تبلورت فكرتها، وكيف كان أداؤكِ لها؟
توجّهت بهذه الأغنية إلى الناس الذين لم يؤمنوا بي في بدايتي، وواجهوني بكثير من السلبية وبعبارات مثل “مستحيل أن تكملي” و “لن تنجحي”. أردت أن أقول لهم إن الحدود التي وضعتموها على أنفسكم لا تنطبق على الجميع، وإنني سأسعى وأجتهد وأقدّم فناً جديداً ومختلفاً لأثبت لكم أنكم كنتم مخطئين. ففي كل المجالات يُقلَّل دائماً من قدرات المرأة وتُسخَر منها أحياناً، فيكون عليها أن تعمل وتضاعف مجهودها لتثبت لمن استخفّ بها أنها ناجحة وقادرة على تخطّي كل التحديات.
ما الصفات التي تتمتعين بها وتجدين أنها موجودة في معظم أبناء جيل اليوم الشاب؟
ما أحبّه في جيلي رغبته في الابتكار والتجديد. فهو يفعل ما هو أفضل له، ويقدّر التجارب والدروس التي يتعلمها منها، ويرغب في قضاء وقته في عيش الحياة الحقيقية واختبارها، لا في تقدير الأمور المادية. وأنا أشبهه في كل تلك الصفات، وفي الرغبة في التعبير عن ذاتي وإيصال صوتي وموهبتي بطريقتي الخاصة.

تنّورة من الستان المزخرف
حقيبة يد Prada Carry صغيرة من جلد السويدي
كلّها من Prada
كيف تصفين أسلوبكِ في اختيار الإطلالات، وبمن تأثرتِ لتبني لنفسكِ نمطاً جديداً ومختلفاً عن شابات كثيرات حولكِ؟
في الحقيقة، والدتي هي أيقونتي في عالم الموضة، ومعظم إطلالاتي من خزانتها وهي تساعدني في الاختيار، لأنها تتمتع بذوق مميز وأعتبر نفسي امتداداً لها. لذا ستكون دائماً المنسّقة التي أستعين بها وأعتزّ برأيها وإرشاداتها، حتى إنني أستعير مجوهراتها وأكسسواراتها وأنسّقها بطريقتي الخاصة. وأحب الأكسسوارات كثيراً وأعتبرها علامتي الفارقة، فهي قادرة على أن تحوّل أي مظهر، مهما بدا بسيطاً وكلاسيكياً، إلى إطلالة مليئة بالحيوية والحركة.
حدثينا عن تعاونكِ مع مجلة هَيا ودار Prada؟ كيف تلتقي أفكاركِ مع تصاميم وتوجهاتها؟
أسعدني هذا التعاون كثيراً لأن دار Prada من العلامات العزيزة على قلبي، فقد أحببت تصاميمها دائماً وشعرت أنها تناسب ذوقي واختياراتي. فهي تعزز الجمال والرقي الطبيعيين عند المرأة وتسمح لها بأن تكون على حقيقتها، وهذا ما يعكس خطي الموسيقي والفني وهدفي من عملي الإبداعي. وكانت أجواء التصوير رائعة، وشعرت كأنه حلم من أحلامي يتحقق بأجمل صورة.

حقيبة Prada Bonnie متوسّطة الحجم من الجلد
كلّها من Prada
ما المشاريع التي تركّزين عليها في الفترة الحالية؟
أجريت في السنوات الأخيرة كثيراً من الاختبارات لاكتشاف خطي الفني، واليوم باتت الرؤية واضحة تماماً والأهداف محددة. أستمر في بناء عالم “شرقية”، وسأكشف جزءاً من جديدي خلال الفترة المقبلة. 






