سعاد السويدي أول مصورة حياة برية إماراتية تنقلك إلى عالمها

 

تصوير الحياة البرية والعيش لأيام طويلة بعيداً عن أي معالم للحضارة والحياة العصرية، والتعرض لصعوبات يومية جمّة ناتجة عن التواجد في الأدغال، إنها أمور ليست سهلة على أي شابة منا، ولا سيما في حال كانت قادرة على عيش مترف في بلدها ومع أهلها وأصدقائها وعائلتها، ولكنه الشغف الذي اختارت المهندسة والمصورة الإماراتية سعاد السويدي أن تتبعه، لترتحل في هذا العالم الواسع وتلتقط أجمل الصور التي تخفي كل واحدة منها حكايات ومغامرات ومصاعب جمّة. فيما يلي ندخل عالم هذه السيدة الموهوبة ونكتشف أفكارها ونغوص في جوانب مختلفة من حياتها.

كيف اكتشفت موهبة التصوير وطورت شغفك بهذا المجال؟

حين أسترجع تفاصيل سنواتي السابقة، أشعر أني أقرأ قصة متناغمة، فهناك تسلسل عجيب للأحداث التي وصلت بي إلى ما أنا عليه اليوم، والحكاية تبدأ منذ حوالى 20 سنة، وتحديداً مطلع الألفية الجديدة، كنت أدرس في الولايات المتحدة، ولاحظ زملائي وأساتذتي في الجامعة حرصي الكبير على الترتيب والتنظيم وكانوا يقولون لي أني أملك "عين نمر" بمعنى شديدة الملاحظة والدقة، لكني لم أفكر بأبعاد هذه الصفة. خلال فترة الدراسة التي كانت صعبة وجافة فهندسة الكمبيوتر مجال لا مكان فيه للإبداع، وأنا لديّ الحس الفني في شخصيتي، أردت تفريغ طاقتي في مجال ما، لذا فكرت بالتصوير وأردته أن يكون صديقي حين أكون وحيدة وحين يتساقط الثلج في منتصف ليالي الشتاء، ويصبح من الصعب علينا التنقل أو الخروج من المنزل، أردت ونيساً يسليني ويتواجد معي طوال الوقت، فيأخذني إلى أماكن جديدة لأكتشف عوالم أجهلها. ذهبت لشراء كاميرا ووقتها لم أكن أعرف حتى أنها تحتاج إلى عدسات، ولكني كنت أكتشف وأبحث بمفردي حتى أفهم المزيد. وبالصدفة لأني أتواجد في الولايات المتحدة، فقد بدأت بتصوير الحيوانات، لأن منزلي كان قريباً من محمية طبيعية، فصرت أصور الطيور والغزلان وبت أعشق هذه الهواية التي كانت تأسرني لساعات.

من جهة ثانية، ساعدتني نشأتي في أميركا حيث أني ترعرعت منذ سن 3 إلى 12 سنة فيها لكي أكون أكثر جرأة وانفتاحاً واستقلالية، فلم أخشى تجربة مجال جديد، ولكني أفتخر بأني حين عدت إلى بلدي وكنت في مطلع سنوات المراهقة، اكتسبت القيم الأخلاقية والدينية التي شكلت لي الزاد لكي أفهم هذه الحياة جيداً وأعرف ذاتي وأحدد خياراتي، لحين عدت إلى أميركا للدراسة الجامعية واكتشفت موهبة التصوير التي رافقتني حتى أيامي الحالية وغيرت كل حياتي.

لم تدرسي التصوير فكيف أتقنته وما هي الصعوبات التي واجهتها؟

حين قلت أن الكاميرا ستصبح صديقتي وونيستي عنيت كلامي، فالصديق يحتاج إلى تفهمك ومتابعتك لأخباره وحرصك عليه، لذا صرت أتدرب وأتابع وأجرب وأقرأ وأبحث، لاسيما خلال فترات العواصف حين نكون عالقون في البيوت، كنت أحضّر استديو صغير في منزلي وأتدرب وأجرب أنواع الإضاءة والأساليب الجديدة، كما كنت أشتري عدسات وأجربها لأفهم الفروق بينها وهي معقدة جداً وصعبة، حتى أن حجم الكاميرا ووزنها الثقيل وقتها كان مصدر إزعاج وتعب بالنسبة لي، ولكني لم أكن أفكر بأي عراقيل بل امتلكت إرادة قوية جداً وإصراراً شرساً لأني أحبت هذا المجال، وامتلكت الشغف اللازم لكي أحسن نفسي وأتطور.

هل تقبل أهلك شغفك الكبير بالتصوير ولاسيما أنك طالبة هندسة وهو المجال الذي يطمح كل أبوين لابنتهما أن تتخصص به؟

في الحقيقة لقد ورثت عنادي وإصراري من والدتي، وهي كانت الداعم الأكبر والأول لي في أي أمر رغبت بتحقيقه، كانت تقول لي أنت قادرة وقوية، كانت تؤمن أن كل إنسان لديه روح قوية تمكنه من الوصول، وهذا ما حصل بالفعل معي فأنا بعد أكثر من 17 سنة من بدئي في مجال التصوير وصلت إلى الشهرة وانتشر اسمي في بلدي، والفضل الأول يعود إلى نصائح وتوجيهات وبركات والدتي، حتى أنها كانت تحثني على التصوير في مناطق مختلفة من الإمارات لكي أكتشف جمال الأرض التي أنتمي إليها، فحين كنت آتي للزيارة من الولايات المتحدة، وفور وصولي من المطار، كانت تضع الكاميرا في يدي وتدفعني إلى الطبيعة.

توجهت نحو تصوير الحيوانات واخترت تلك المفترسة التي تعيش في الأدغال، فما هي الأحاسيس التي تنتابك حين تكونين في مواقع التصوير؟

يوجد حديث نبوي يقول "كل ميسر لما خلق له"، وأنا تأثرت كثيراً بمعانيه منذ كنت طفلة لأكتشف مدى صحته مع تقدمي بالعمر، فيوم يريد الله سبحانه وتعالى لإنسان أمر ما، فإن مشيئته ستسخر لهذا الشخص الأسباب وستتكون شخصيته بشكل محدد لكي يتمكن من أن يصل إلى ما هو مكتوب له.. هناك مسار طويل أوصلني إلى تطوير هذا الشغف فالأمر ليس سهلاً أبداً، بل إني واجهت الكثير من الأحزان والتحديات وحتى الأوجاع الجسدية، ولكني كنت أتخطى الصعوبات لأني حين أتواجد في الأدغال وفي بيئة الحيوانات الطبيعية غير المدجنة، والتي لم تتدخل بها يد الإنسان، أنتقل إلى عالم آخر خاص بي، مثل الرسام الذي يدخل عالمه وينفصل عما حوله أو الكاتب الذي ينسى الوقت حين يبدأ بعمل جديد، حين أكون في الأدغال محاطة بكم هائل من الجمال الذي خلقه الله سبحانه وتعالى، أشعر بأني أعيش وليس فقط أني على قيد الحياة، أختبر مشاعر قوية وجامحة لا يمكن وصفها، الكثير من صديقاتي يطلبون مني التوقف ويتساءلون باستغراب عن السبب الذي يدفعني لتعريض حياتي للخطر لكي أرى الأسد او النمر فأنا بنظرهن قد رأيتا سابقاً، ما لا يعرفونه أني أبحث عن هذه اللبوة بالتحديد أو عن هذا الشبل الذي ينتمي إلى فصيلة محددة دون غيرها.. إنه عالم واسع جداً ومن الرائع اكتشافه ونقل ولو جزء بسيط منه إلى العالم الواسع من خلال كاميرتي.

ما الذي تعلمته من عالم الطبيعة والأدغال ومراقبة الحيوانات المفترسة؟

اكتشفت العالم على حقيقته، ورأيت عظمة الله سبحانه وتعالى التي تتجلى في كل مكان، وأيقنت أن كل شيء من صنع الإنسان مهما بلغت قوته سيفنى، وكل ما هو من خلق الله باق، شهدت جمال البحر وروعة الهواء حين يلمس الوجه وقوة الطبيعة، عرفت في الأدغال معنى مختلف عن الحب والخيانة والغدر والكره ورأيت القوي حين يصير ضعيفاً والضعيف كيف يتحول إلى قوي، في البداية كنت أتأثر كثيراً لأني غير قادرة على مساعدة حيوان أعرف أنه خلال دقائق سيكون فريسة لفهد صياد مثلاً، ولكن مع الوقت تعلمت كيف أتحكم بمشاعري فلا أتدخل وأخرب هذا المسار الكوني المكتوب بدقة متناهية. حين نتواجد بالأدغال علينا الالتزام بنظام الحياة الطبيعية فلا مجال للتدخل، بل المراقبة بصمت والتقاط الصور التي تخلد بعضاً مما يجري.

ما هي الصعوبات اللوجستية التي لا يعرفها كثر عن التصوير في الأدغال؟

حين نكون في الأدغال فإن توقيتنا يتبع نمط حياة الحيوان الذي نسعى لتصويره، قد أنام ساعتين فقط في خيمة صغيرة يحرسها سكان القبائل المحلية لكي لا نتعرض لأي هجمات ليلية، أتنقل في سيارة مفتوحة وفي رحلات قد تطول لحوالى 30 ساعة على أراض وعرة ذات تضاريس قاسية، وحيث لا يمكن أن أنطق بأي كلمة كي لا يسمعني الحيوان، وأحياناً نتنقل سيراً على الأقدام لتعقب حيوان ما.. نصور في درجة حرارة مرتفعة جداً بحيث تغرق ملابسي بالعرق، مع كاميرا ومعدات تبلغ من الوزن أكثر من 20 كيلو، كما أني آخذ الكثير من الطعوم والأدوية لأتفادى الأمراض ولسعات الحشرات، ونغيب لأسابيع عن العالم والحضارة بحيث يصير منزلنا خيمة ضيقة، حينها أنسى شكلي ومظهري وأكون عرضة لمخاطر جمة.

لماذا تأخرت شهرتك في العالم العربي وهل أحزنك هذا الموضوع؟

أثق بأن ما هو مكتوب سيتحقق حتى لو تأخر، وبطبعي لم أرغب بأن أشعر بالضغط الذي تمارسه وسائل التواصل لكي أنشر صوراً لمجرد نيل الإعجاب عليها، أو لأصير مشهورة، فأنا أقوم بعمل أحبه بل وأعشقه، ولا تعنيني كثيراً ردود الأفعال عليه أو الدخول في منافسات أو مسابقات ونيل جوائز وغيرها، فلا أربط شغفي بأي متغير. خبأت عملي لمدة 17 سنة لحين عرفت جهات رسمية إماراتية بأن هناك شابة تصور في الأدغال، حينها أحسست أن لديّ مسؤولية مشاركة أعمالي ونشرها على نطاق أوسع.

كيف تخطيت الإحساس بالخوف؟

قد لا تصدقين أني لا أخاف أبداً بل أدخل في حالة هدوء غريبة جداً، دقات قلبي تظل ثابتة لأن الحيوان إذا رصد خوفي أو أحس به فسيهجم عليّ ويفترسني، لدرجة أن الرجال الذين يرافقونني في الرحلة ويتواجدون حولي في سيارات الحراسة، يصابون بالصدمة والذهول حيث يرونني قريبة جداً من الحيوان ولكني ثابتة وهادئة بشكل لا يصدق، وهنا ألفت إلى أني أخاف من الحيوانات المنزلية كالقطط والكلاب ولا أحب الاقتراب منها أبداً، ولكني أتحول إلى شخص مختلف في الأدغال.

ما هي الأماكن التي تحبين التصوير فيها ضمن بلدك الإمارات؟

يوجد الكثير من الأماكن الطبيعية الجميلة في الإمارات ولا سيما صحراء دبي وليوا في أبوظبي، وقد التقطت أجمل الصور منها صورة لعلاقة المها بأطفالها حيث عرضت في مجلة ناشيونال جيوغرافيك ولاقت الكثير من الأصداء الإيجابية.

ما هي أكثر صورة التقطتها وأثرت بك؟

أكون حاضرة وحيّة في كل صورة ألتقطها، فكل ما أعرضه يمثل جزء مني، ولكن أكثر ما أثر بي هو عاطفة الأمومة التي تتواجد لدى كل الحيوانات تماماً كما لدى البشر، فالصرخة التي تطلقها اللبوة لدى وفاة ابنها لا تشبه أي صوت يمكن سماعه، والعاطفة التي تحملها الأم لا تتكرر.

اقرئي المزيد: رها محرق تكشف عن وجهاتها المفضلة وتصحبك في رحلة معها إلى إيرلندا

 
شارك