مقابلات

رباب جلالي: أكثر الذكريات القريبة لقلبي هي إحاسيس أكثر من كونها تفاصيل

هل نحن من نصنع الذكريات؟ أم هي التي تشكل حياتنا وأفكارنا وشخصيتنا؟ ما هو الأثر الذي يتركه الماضي في الحاضر الذي نعيشه والمستقبل الذي نخطط له؟ هل نحسن عيش لحظاتنا وأيامنا ونوثقها لتظل حاضرة بصور وفيديوهات نعود إليها حين نحتاج بعضا من السلام والحنين الجميل إلى أحداث وأشخاص أثروا في رحلاتنا؟

أسئلة كثيرة طرحناها على شابات عربيات رسخن أسماءهن في عالم النجاح، استرجعنا معهن الماضي فكشفن الكثير عن ذكرياتهن والمحطات الأساسية التي شكلت جوهرهن الحالي

تركت دراسة الفنون والتصميم الداخلي في بلدا الأم تونس، أثراً كبيراً في حياة المؤثرة في مجالي الموضة والجمال ونمط الحياة رباب جلالي، التي يتابع صفحتها عبر إنستغرام: rabellejlali، أكثر من 220 ألفاً، فقد كانت محاطة ببيئة فنية بحتة من أساتذة وفنانين ومبدعين غيّروا نظرتها للحياة وساعدوا في صقل أسلوبها وزيادة تقديرها للفن والأزياء، لتكون اليوم واحدة من أهم الفاعلات العربيات في هذا المجال. فتعرفي عليها أكثر من خلال هذا اللقاء.

ما هي أجمل الذكريات التي احتفظت بها من مرحلة الطفولة؟

أكثر الذكريات القريبة لقلبي من طفولتي هي إحاسيس أكثر من كونها تفاصيل.. عندما ولدت، كانت أمي تكمل دراستها الجامعية، فكنت معها في الأشهر الأولى، أحيانًا تأخذني معها إلى الجامعة، ثم اضطرت لاحقًا أن تتركني عند جدتي أم أبي في القرية بسبب دراستها. كانت تزورني في عطلة نهاية الأسبوع، وكانت تحكي لي دائمًا أني كنت أبكي لأني لا أعرفها، فقد تعودت على جدتي، وكان هذا الأمر يؤلمها كثيرًا.

كبرت في بيت جدتي، وسط الطبيعة وحقول الزيتون، وبين عائلة أبي الكبيرة. رغم أني لا أتذكر تلك المرحلة بوضوح، إلا أنها صنعت رابطًا عميقًا بيني وبين جدتي، وربطتني بالأرض والطبيعة. أؤمن أن هذه البيئة هي التي شكّلت إحساسي الداخلي، صحتي، وحنيني الدائم للطبيعة… فما زلت إلى اليوم أشتاق للحياة بين الحقول والمزرعة.

هل عشت موقفاً في فترة المراهقة ساهم بتشكيل شخصيتك الحالية؟

من أكثر المواقف التي لا أنساها من سنوات المدرسة، أول يوم لي في الدراسة. كنت أكبر بنت في عائلتي، وكان أهلي يربّوني على تحمّل المسؤولية من عمر صغير. في أول يوم، بابا وماما أوصلوني للمدرسة، لكن في طريق الرجوع رجعت لوحدي. كنا وقتها نقطن في حيّ جديد، ولم أكن معتادة عليه أبداً. ومع ذلك، استطعت تذكر الطريق والعودة للبيت بمفردي. هذا الموقف البسيط جعلني أحس بالقوة والاستقلالية من عمر صغير، ولليوم لا زلت فخورة بنفسي لأني عشت هذه التجربة.

هل يوجد صورة تعني لك أكثر من غيرها تجمعك بالأهل والأقارب الذين قضيت معهم شبابك؟

صورة عيد الفطر التي كنا نلتقطها كل عام.. يوجد صورة معيّنة قريبة جدًا لقلبي، تجمعني مع أمي وأبي وأختي. كنت فيها سعيدة جدًا ومتحمسة، لأن العيد بالنسبة لي كان يعني ملابس جديدة ولقاءات عائلية ومشاوير مرحة. اللافت في الصورة أنّ شعري كان قصيراً، كانت أمي دائمًا تقصه لي وكنت لا أحبه أبداً. اليوم، حين أرى الصورة أحس أنّ هذه القَصّة صارت جزء من هويتي، وحتى قبل سنتين عدت قصّيت شعري بنفس الطريقة… كل مرة أرى الصورة أتذكر طفولتي وسعادتي البسيطة مع عائلتي.

ما هي الرحلة التي قمت بها وانطبعت في ذاتك وخولتك عيش أجمل المشاعر؟

أحببت المالديف، فالطبيعة هناك مذهلة كأنها HD .. لون السماء، البحر، والأشجار التي تريح العين والروح. كنت كل صباح أذهب للفطور وأتأمل المنظر وأحس كأني في الجنة. أنا بطبعي أحب الطبيعة والشمس، لأني تربيت في بلد متوسطي، فالشمس دائمًا تعطيني طاقة وسعادة، لذا أفضل السفرات الصيفية على الشتوية، والمالديف كانت بالنسبة لي تجربة سأكررها بدون تردد.

هل يوجد إنجاز مهني تعتبرينه فاصلاً في حياتك حتى اليوم؟

أكثر إنجاز مهني أفتخر به هو أني بدأت مشروعي الخاص في سنّ صغيرة. قبل انتقالي إلى دبي، كنت أعيش في تونس وأسست علامة أزياء خاصة بي بعد تخرّجي من الجامعة. بدأت من الصفر، بفكرة آمنت بها، وكبرت خطوة بخطوة إلى أن أصبح لديّ ثلاث محلات، وكان البراند معروفًا وناجحًا جدًا. هذا المشروع منحني استقلالًا ماديًا مبكرًا، وحقق لي أهدافًا كنت أحلم بها وأنا صغيرة. رغم نجاحه، كانت طموحاتي أكبر، لذلك قررت الانتقال إلى دبي بحثًا عن تحديات وفرص أوسع. إلى اليوم، ما زال الناس يذكرون علامتي ويفتقدونها، وهذا بحد ذاته يجعلني فخورة جدًا بما أنجزته.

ما هو مكانك المنشود للاسترخاء والابتعاد عن الضغوط؟

هو أي مكان يجعلني أبطّئ الوتيرة وأرجع لنفسي.. المشي بالنسبة لي علاج حقيقي، خصوصًا على البحر أو وسط الطبيعة، لأنه يصفّي أفكاري ويعيد توازني النفسي والجسدي. وأحيانًا أحتاج أن أغيّر المكان بالكامل، من خلال staycation أو retreat في أماكن هادئة مثل باب الشمس. الهدوء، السبا، الحركة الخفيفة، والابتعاد عن الزحمة يساعدوني لأستعيد طاقتي، فأنا أؤمن أننا أحيانًا نحتاج إلى عدم فعل أي شيء لإعادة شحن طاقتنا.

ما هي المغامرة التي لا يمكنك نسيانها، حيث تحديت نفسك وأثبت شجاعة كبيرة؟

أكثر مغامرة استمتعت فيها وكانت مؤثرة بالنسبة لي هي القفز بالمظلة في دبي. كانت تجربة مخيفة خصوصًا أني قمت بها وأنا صائمة في رمضان، لكن بعد ما أنهيتها أحسست بقوة داخلية كبيرة. التجربة جعلتني أؤمن أكثر إن كسر الخوف وأخذ المخاطر المحسوبة هو الطريق للتقدم في الحياة. بعدها صرت أحسّ أنه لا يوجد شيء يوقفني أو يخيفني مثل قبل، وكأنها كانت نقطة تحوّل في زيادة ثقتي بنفسي وتعزيز قدرتي على مواجهة أيّ تحدي.

ما هي التجربة القاسية التي عشتها وكيف تمكنت من تخطيها؟

تركت وفاة عمي أثراً كبيراً في حياتي، فأنا لم أتمكن من رؤيته أو لقائه أبدًا، لأنه كان لاجئًا سياسيًا في سويسرا وغادر بلده في سن مبكرة، قبل أن أولد. رغم ذلك، كان بيننا تواصل دائم، ولا تزال كلماته ونصائحه عالقة في ذاكرتي. كان إنسانًا مثقفًا جدًا، وتعلمت منه الكثير. أكثر ما يؤلمني هو أن علاقتنا بقيت عن بُعد، ولم تتح لي الفرصة أن أراه أو أحتضنه أو أشاركه لحظات حقيقية.

ما هي العبرة التي تسيّر تفكيرك وأفكارك؟

أؤمن أن الطموح أساسي في حياتي، من دون مقارنة أو حسد أو نية غير صافية تجاه أحد، فإذا رأيت شيئاً لدى غيري وتمنّيته، أتمنّاه بالطريقة الصحيحة: بالعمل، بالسعي، وبالجهد لأن أي شيء يأتي بسرعة أو بطريقة غير صحيحة سيختفي بسرعة.

ما الذي تركته سنوات الجامعة من أثر في شخصيتك الحالية؟

أكثر مرحلة في حياتي شكّلت شخصيتي بعمق كانت سنوات دراستي الجامعية. درست في مدرسة الفنون في تونس، وتخصصت في التصميم الداخلي وكنت محاطة ببيئة فنية بحتة؛ أساتذتي كانوا فنانين ومهندسين معروفين، وأصدقائي كلهم مبدعون. تلك السنوات غيّرت نظرتي للحياة وللأشياء من حولي. صقلت ذوقي، أسلوبي، وطريقتي في التفكير، وعلّمتني أن أقدّر الفن بكلّ أشكاله. شعرت أن الفن صار جزءًا أساسيًا من هويتي، وأثرّ بشكل مباشر على اختياراتي لاحقًا، حتى في مشروعي في عالم الموضة، لأنني أؤمن أن الموضة هي فن بحد ذاتها.

لم أكن أوثّق تلك المرحلة كثيرًا على وسائل التواصل الاجتماعي، ولم أكن ألتقط الكثير من الصور، لكنني عشتها بكل تفاصيلها. اليوم، أحتفظ بها كذكريات وصور في مخيلتي، وأعود إليها دائمًا كمصدر إلهام.

ما هو الدرس الأكبر الذي لقنته لك الحياة؟

أعتقد أني حصلت على هذا الدرس من أهلي، فهم علموني أن أكون شجاعة، مستقلة، وأعبّر عن رأيي بحرية، شجعوني منذ الطفولة على أن أكون نشيطة، أتعلم أشياء مختلفة، من رياضة وموسيقى إلى ثقافة وفن. أهدوني عقلية تحب التعلّم، الفضول، وتحمل المسؤولية، والرغبة الدائمة في التطور والإبداع. هذه القوة الداخلية هي أثمن هدية وأهم درس، وهي شيء أحمله معي طول حياتي، وأتمنى أن أنقله لأطفالي في المستقبل.

اقرئي المزيد: عبير مشيري: أوّثق التجارب بالصور والفيديوهات لأحتفظ بذكريات المشاعر التي عشتها

المجلات الرقمية

قد يهمك أيضاً

اشترك في صحيفتنا الإخبارية