مقابلات

ديما عدرا: اتباع شغفك الحقيقي يعطي المعنى لإنجازاتك ويخولك إحداث التغيير الحقيقي

نتعرف على 7 نساء عربيات عرفن معنى التفوق وبرزن في صدارة مجالاتهن، فكيف وصلن إلى ما هنّ عليه اليوم من نجاح؟ وما هي التحديات التي واجهتهن، وكيف تخطينها ووصلن إلى درجة عالية من معرفة الذات ومكامن قدراتها التي لا تنحصر.

بثقة كبيرة بالنفس وشغف حقيقي لإحداث أثر وتغيير من خلال مجال تعتبره هي مهم وأساسي في الحفاظ على ثقافتها ونقلها للجيل الجديد، دخلت الشابة اللبنانية المبدعة في مجال الإعلان، مجالاً جديداً عليها وهو التأليف والنشر، لتطلق قبل مدة كتاب طبخ لبناني ممول جماعياً هو “ماما غنوج”، فيحقق النجاح محلياً وعربياً وعالمياً، مثبتة بدون أدنى شك أن اتباع شغفك الحقيقي يعطي المعنى لإنجازاتك ويخولك إحداث التغيير الحقيقي. تعرفي أكثر عليها في هذا اللقاء.

ما هي أول ذكرياتك عن الطهي والطعام والتي جعلتك تعرفين أهمية اجتماع الأسرة حول مائدة طعام مليئة بالنكهات؟

نشأت في المملكة العربية السعودية، وكنت محظوظة بتناول وجبات لبنانية منزلية شهية كل يوم، سواء كانت والدتي هي من حضّرتها، أو خالتي، أو حتى أمهات صديقاتي. كان هناك العديد من الوصفات التي أحببتها، ولكن إذا كان عليّ اختيار واحدة، فسأختار المغربية التي تعدها والدتي، فهي رائعة حقًا. تتميز بنكهة غنية وبمرقين مختلفين هي الدجاج والبصل، ومتبلة بشكل مثالي.. كان الاجتماع لتناول الطعام بمناسبة احتفاء يومي، يجمعنا على أخبار وحكايا تجلب الضحكة والسعادة والأمان.

بعد سنوات من العمل الناجح والمثمر في مجال الإعلان، غيرتِ مساركِ المهني لمتابعة شغفكِ بالطبخ ودراسته في مدرسة فنون الطهي في بوسطن. كيف اتخذتِ هذا القرار المصيري؟

أحببتُ تجربتي في مجال الإعلان، لأنني أحببتُ التواجد في بيئة إبداعية. لكنني أدركتُ فجأةً أن هذا المسار المهني كان يفتقر إلى المعنى بالنسبة لي، في ذلك الوقت، كنتُ قد بدأتُ أشعر بشغفٍ متزايدٍ للطبخ، وكانت تلك اللحظة المثالية لإجراء تغيير في حياتي، وكانت الدراسة مثالية للحاق بشغفي الأول وفهمه بشكل أكبر والتعرف على تقنياته.

ما الذي أضافته دراسة فنون الطهي أكاديميًا إلى خبرتكِ، وكيف تختلف أدوات الطاهي المحترف عن تقنيات ربات البيوت اللواتي يُحضّرن وجباتٍ تقليديةً لذيذةً لعائلاتهن؟

هذا سؤالٌ صعبٌ للإجابة عليه لأن أهداف الطاهي وربة المنزل مختلفة برأيي، فما يتوجب على طاهي المحترف فعله هو إعادة إنتاج الوصفات المحبوبة بنفس الطريقة المتسقة والمعروفة وإلا فقد ينزعج الزبائن إذا كان طعم الطبق مختلفًا، لذا فهو بحاجةٍ إلى القياس، والدقة في تقنياته لتقديم نفس النتيجة مع كل طبق. أما هدف الأمهات فهو إطعام عائلاتهن أشهى المأكولات، إنهنّ يطبخن بإحساسٍ فطري، وقد دمجن ثقافتهن ومكان نشأتهن في أعماقهن، بحيث تختلف النكهات باختلاف الطريقة التي تعلمتها الأم من والدتها، لكنّ كل سيدة تملك حدساً لا تشوبه شائبة في المطبخ.

بالنسبة لي، ساعدني الالتحاق بمدرسة الطهي على صقل مهاراتي على جميع المستويات، ومنحني المساحة الكافية للانغماس كليًا في عالم الطبخ.

تمثّل إنجازك الأكبر في مجال الطهي بإطلاق كتاب “ماما غنوج”، الذي يضم وصفات جمعتها من عشر نساء لبنانيات، وكان الهدف منه التعريف بالمطبخ اللبناني المتنوع، مع ضمان الحفاظ على الطابع الفريد لكل وصفة وضمان استمراريتها. وقد حقق الكتاب نجاحًا كبيرًا في العالم العربي وعلى الصعيد الدولي. حدثينا عن الفكرة وراء هذا الكتاب.

كانت الحياة في الخارج تعني البحث عن ثقافتي في كل ركن من أركان مدينتي الجديدة مونتريال، متلهفةً للارتباط بوطني، بلبنان. على الرغم من أن مطبخي كان مليئًا بالمكونات اللبنانية مثل الزعتر واللبنة، إلا أنه لم يكن هناك ما يخفف من شعوري بالحنين إلى الوطن سوى وجبة لبنانية منزلية الصنع. ولكن نظرًا لمغادرتي في سن مبكرة، مثل الكثيرين من جيلي، فقد فاتني فرصة التعلم مباشرةً من والدتي وجدتي كيفية طهي وصفاتنا المحبوبة. كانوا يحاولون إرشادي خلال مكالماتنا الهاتفية بمقادير وتعليمات تقريبية للغاية “حفنة”، “كوب أو كوبان”، “فرن ساخن”، لكن إخفاقاتي المتكررة في المطبخ جعلتني أشعر بمزيد من الرهبة والخوف والتوتر لدى المحاولة مجددًا. في أحد الأيام، أدركت أنه إذا لم أتقن الطهي الذي يحاكي ثقافتي وبيئتي وخلفيتي، فسيعني ذلك أن أطفالي قد لا يستمتعون أبدًا بطبق دافئ من العدس بالحامض، وهو من أشهر الأطباق اللبنانية التقليدية، بعد يوم دراسي طويل، وسينتهي بهم الأمر بربط الطعام اللبناني بالشيش طاووق والفلافل فقط، وهي الوصفات المعروفة التي تقدمها معظم المطاعم في العالم. أخافني هذا حقاً وأزعجني، لذلك قررت سد الفجوة. لأن الطعام بالنسبة لي هو ثقافة، ومن الضروري نقل المعرفة من جيل إلى جيل للحفاظ على تراثنا. أردت أن يشعر جيلي بالقدرة على طهي طعامنا. وأخيرًا، أردت أن أحتفي بأمهاتنا، اللواتي يبذلن دائمًا قصارى جهدهن من أجلنا ويحرصن دائمًا على وجود وجباتنا المفضلة على المائدة.

كيف فكرت بعنوان الكتاب الجميل والجذاب “ماما غنوج”، الذي يجمع بين اسم وصفة مشهورة وكلمة “ماما”، والحنان الذي نشعر به عند تناول طعام أمهاتنا؟

كنت أجد صعوبة في تلخيص جوهر كتابي في عنوان واحد فقط: أردتُ أن أنقل صورة لبنان، والأمهات، والثقافة. شاركتُ هذه الصعوبة مع أختي هدى، وهي فنانة وقد رسمت محتوى الكتاب، وما إن شرحتُ لها هدفي، حتى قالت: ماما غنوج! وكان العنوان مثالياً، فسجلتُه كعلامة تجارية على الفور.

هل واجهتِ أي صعوبة في الحصول على الوصفات؟ كيف كانت عملية إعداد الكتاب حتى لحظة إبصاره النور؟ ما المعلومات عن المطبخ اللبناني التي حرصتِ على تضمينها فيه؟

ساعدتني خبرتي في مجال الإعلان على التركيز بدقة على هدفي من الكتاب. لم يكن الأمر صعباً، فقد كانت الأمهات جميعاً على استعداد تام للمشاركة، وسخيّات جداً بوقتهن ومعلوماتهن. كانت هناك لحظات طريفة حيث كنا نضطر إلى القياس، فإما أنهم لم يكونوا يملكون أكواب قياس لأنهم كانوا يطبخون دائمًا بالتقدير، أو عندما كنا نملكها، كنّ يملئن كوب القياس إلى نصفه فقط ويقولون “هذا كوب واحد!”. هذه الطاقة الإيجابية والمفرحة انتقلت إلى صفحات الكتاب فجاءت دافئة ومثيرة للاهتمام والدهشة.

كيف تصفين كتابك بكلماتك الخاصة؟ ما الذي يجعله مميزًا، وما الذي تعتقدين أنه سيشجع الآخرين على شرائه؟

سأقول إن الكتاب يدعمك ويساعدك ويرشدك خطوة بخطوة لإتقان وصفة تحبينها. إنه احترافي نوعاً ما لأنه يعلمك السبب وراء كل خطوة، ولكنه أيضًا مرح جدًا في لغته ورسوماته. قامت أختي هدى بتنفيذ الرسوم التوضيحية لبعض الخطوات (مثل كيفية لف ورق العنب، وكيفية تحضير الكبة) وأيضًا لإضحاكك والتواصل مع روح الدعابة اللبنانية التي تجمعنا. يقدم الكتاب وصفات من أمهات مختلفات، جميعهن طاهيات رائعات، وقد حظيتُ بفريق مميز من النساء عملن معي على إخراج رؤيتي إلى النور: من مصورة الطعام والمناظر الطبيعية فاليريا بسمار، إلى مصممة الطعام لور كورتن، ثم مصورة البورتريه لارا زنكول، ومصممة الجرافيك نور طعمة.

الكتابٌ يحمل عبق الماضي، وهو حقيقي جداّ ومباشر وسهل التلقي، والأهم من ذلك كله، أنه يقدم لك مجموعة من الوصفات التي نحبها جميعًا، بغض النظر عن مكان إقامتنا في لبنان، وهي ليست من إعداد طهاة محترفين، ولا خبراء تغذية بل من إعداد أمهات.

بعد خوض مجال الكتابة والتوثيق والنشر، وهي مجالات جديدة عليك لم تتعلميها في الجامعة، هل واجهتِ أي صعوبات؟ وهل تخططين لمواصلة الكتابة والنشر، وما هي المواضيع التي تثير اهتمامك في المستقبل؟

إن نشر كتاباً ذاتيًا ليس بالأمر الهين، خاصةً عندما يكون الهدف هو تقديم كتاب عالي الجودة ينافس في السوق. لكن خلفيتي في الإعلان كانت ميزة كبيرة في العمل مع فريق إبداعي، وامتلاك رؤية واضحة، ومعرفة الأسئلة التي يجب طرحها في الطباعة والإنتاج ساعدتني أيضاً. شغفي هو الطعام، لذلك سأستمر مستقبلاً في الكتابة عن الطعام والثقافة. 

كيف ساعدتك خبرتك في مجال الإعلان لتسويق كتابك وتأمين التمويل اللازم؟

كانت خبرتي أساسية في إطلاق حملة تمويل جماعي لكتابي، والتي حققت نجاحًا باهرًا. تمكنت من جمع التمويل المطلوب في سبع ساعات، ومضاعفته في يومين فقط.

هل تعتبرين الطبخ فنًا قادرًا على تحريك جميع حواسنا؟

الطبخ بالنسبة لي هو ما يمنحني السكينة والهدوء. عندما نستسلم للعملية ونغوص في المكونات، وندع حواسنا تقودنا، ننطلق في رحلة إبداعية جميلة قادرة على تحريك جميع حواسنا. 

هل يمكنك مشاركتنا تجربة طهي لا تُنسى خضتها وقدمتها لعدد كبير من الناس؟

التجربة التي تركت بصمةً في نفسي خلال العام الماضي كانت عندما دعتني الشيف كاثرين كوفيه ديروسير لأكون الشيف الضيف في مطعمها الموصى به من دليل ميشلان في مونتريال، والذي يُدعى باناسيه، وذلك ضمن فعاليات مهرجان مونتريال إن لوميير. كان التحضير لمناسبة مهمة نفدت تذاكرها بالكامل تجربةً لا تُوصف. كنتُ أُدرّب فريقًا من الطهاة المذهلين على كيفية تحضير شيش برك، وكبة، وهندبة، وسمكة حرة، وهي جميعها أطباق لبنانية تقليدية شهية جداً، فقدّمنا قائمة طعام لبنانية بالكامل، وعرضنا نكهات تعكس ثقافتي، على طريقتي الخاصة في مونتريال، لقد كان الأمر رائعًا.

هل تعتقدين أن الجيل الجديد يُدرك أهمية تجارب الطهي الأصيلة والفريدة والمُثرية، حيث لا يقتصر الطعام على تناول وجبة سريعة، بل يُصبح تجربة تُعزز روابطهم الاجتماعية؟

أتمنى حقًا أن يفعل الجيل الجديد ذلك، لأن الطعام ليس مجرد تناول أي شيء سريع. إنه فرصة نملكها عدة مرات في اليوم لنغذي أنفسنا وعواطفنا وحواسنا. إنه وقت نجتمع فيه حول مائدة ونتشارك لحظة مميزة، ونتواصل. وعندما نتشارك وجبة ذات صلة ثقافية، كالمطبخ اللبناني، ينشأ لدينا ارتباط بالأرض، ويتجسد المعنى الحقيقي للمشاركة، فيصبح الطعام لغة تخولنا بناء ذكرى جديدة.

لديكِ مظهر جذاب ومحبب للغاية. هل تفكرين يومًا في تقديم برنامج طبخ؟

أعلم أن امتلاك ما يعتبره المجتمع معايير جمال تقليدية هو أمر يُتوقع من النساء استغلاله للنجاح في أي مهنة، لكن دوري الرئيسي كطاهية هو حفظ ونقل المعرفة المتوارثة حول الطعام. لذا، إذا سنحت لي الفرصة، فسيكون تركيزي الأساسي على التثقيف حول تقاليدنا الغذائية.

ما هي مشاريعك القادمة؟

هناك العديد من المشاريع قيد الإعداد والتي سأشاركها قريبًا والتي أشدد من خلالها على أنّ مهمتي الأساسية ستظل دائمًا تعليم الناس الطبخ وجعلهم يستمتعون به مع المقربين إلى قلوبهم.


اقرئي المزيد: حسناء باقر: النجاح في أي مشروع ريادي يتطلب مزيجاً من الدراسة والمراقبة والتأقلم مع التغيرات

المجلات الرقمية

قد يهمك أيضاً

اشترك في صحيفتنا الإخبارية