الطبيبة والعالمة الإماراتيّة مريم مطر: المنصب الأهمّ لي هو رسم الابتسامة على شفاه مرضاي

لا ترتوي من بحر العلوم والأبحاث وتضطلع دوراً بارزاً في نشر التوعية ضدّ مخاطر الأمراض الجينية، إنّها الباحثة الإماراتيّة مريم مطر التي تترأس جمعيّة الأمراض المتوارثة جينيّاً في الإمارات وتُعدّ واحدة من أهمّ مؤسّسيها. التقيناها لنكتشف المزيد عن مسيرتها وإنجازاتها ومشاريعها المقبلة.

في وقت يتّجه فيه العالم كلّه نحو العلم والبحوث بعد انتشار فيروس غيّر أسلوب الحياة المعتاد على الأرض، هل شعرت بأنّك اتّخذت القرار الصائب عندما قرّرت الغوص في عالم الأبحاث والدراسات واختيار المسار الصعب لدراسة علم الوراثة؟

لقد التزمت بخدمة أمّتي ومجتمعي من خلال تطوير العلوم الوراثيّة وقوّة العلم للوقاية من الاضطرابات الصحيّة والمعاناة والفقدان المحتمل لجودة الحياة. وقد اخترت هذا المسار في وقت مبكر جداً، وبفضل الله ودعم مرشديّ وقادتي، كانت الرحلة سهلة ومباركة.

ولديّ إيمان راسخ بأنّنا حينما نعيش لخدمة القضية الكبرى، دائماً ما نتلقّى الدعم والموارد التي نحتاجها. وبالفعل تمكنّا من مساعدة أكثر من 50000 أسرة في العام 2020 عبر أنشطة المعلومات والتوعية الخاصة بنا حول وباء كورونا، وكذلك من خلال تقديم المعلومات العلميّة حول الفيروس والحمض النووي لمجتمع الرعاية الصحيّة.

حينما يقارب الطبيب المريض، يدرك أنّ لديه الكثير ليقدّمه ولا يقتصر دوره على وصف الدواء، بل البحث عنه أو عن طرق جديدة في التشخيص أو العلاج، ولن ننسى الوقاية لأنّها الأساس، ولهذا وجدت نفسي أتمعن في عدسة المجهر، ومن هنا بدأت الرحلة.

تميل الشابّات العربيّات إلى الشعور بأمان أكثر في دراسة مجالات مثل الهندسة والإعلام أو حتّى البدء في مشاريع فرديّة. فلماذا قرّرت أن تذهبي بعكس التيار؟ ومَن ساعدك في خلال رحلتك الناجحة والمليئة بالإنجازات؟

قرّرت اتّباع مساري بتوجيهٍ من قسم الدراسات العلميّة ومن بيئتي وتعليمي كطالبة وممارسة لمهنة الطبّ. إذ ثمّة إمكانات هائلة للرعاية الصحيّة الوقائيّة والفحص الطبّي للسكّان، وعرفت أنه يمكننا تغيير مسار الرعاية الصحيّة من
خلال عملنا.

وأوّل وأبرز الأشخاص الذين آمنوا بي وبمشروعي، معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير التسامح الإماراتي ورئيس جمعيّة الإمارات للأمراض الجينيّة GDA.

كذلك، فقد دعمني قادة دولتنا باستمرار في رحلتي منذ أن قدّمت جمعيّة الإمارات للأمراض الجينيّة توصيتنا الأولى بشأن الفحص الطبي ما قبل الزواج. حيث مثّلت صاحبة السمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، رئيسة الاتّحاد النسائي العام GWU، ورئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، والرئيسة العليا لمؤسسة التنمية الأسريّة FDF، المعروفة أيضاً باسم «أمّ الإمارات» قدوتي الأولى، حتى عندما كنت طفلة إذ رأيت كيف استطاعت توجيه جيل والدتي وقيادته.

وعندما بدأت مشروعي الأوّل على الإطلاق المتمثّل في حملة مكافحة الثلاسيميا في الإمارات في العام 2004، لعبت مجموعة المتطوعين الأولى لي دوراً كبيراً في نجاحي. حيث وثق هؤلاء المتطوعون في رؤيتي وعملوا معي ليلاً ونهاراً لإطلاق حملتنا. كذلك، قدّمت لي إدارة هيئة التدريس وأعضاؤها لا سيّما الطلّاب في كليات التقنيّة العليا وكلية دبي للطالبات دعماً غير مشروط.

بدت خياراتك التعليميّة جديدة وجريئة ومغامرة بعض الشيء عندما قرّرت عدم دراسة الطبّ التجميلي الذي مثّل مجالاً أعجبك، والاتّجاه نحو علم الوراثة. من أين استمدّيت هذه الشجاعة والإرادة للغوص في مجال جديد للشابّات الإماراتيّات؟

أشعر بالامتنان لأنّني ولدت كامرأة إماراتيّة، لأن هذه البلاد منحتني البيئة والدعم لتحقيق التميّز. وأتوجّه بخالص امتناني إلى والديّ اللذين قدما لي أساساً متيناً من حيث التعليم وخلقا لي بيئة منزليّة سمحت لي بالتفكير بحريّة. وأشكر معلميّ ومرشدي الشيخ نهيان لأنّهم أدركوا قيمة مشروعي ودعموني بالموارد والأدوات التي أحتاجها.

هل تتّبعين حدسك لاتّخاذ قرارات حاسمة مهمة عادة، أم أنّك تلجئين إلى التفكير العميق والتخطيط لخطواتك ودراستها بعناية مسبقاً؟

اسمحوا لي أن أذكر أنّ الجينات تلعب دوراً بارزاً في تكوين السمات الشخصيّة للبشر، أمثال ضبط النفس أو اتّخاذ القرارات أو التواصل الاجتماعي وهذا بيان يرتكز على الكثير من الدراسات العلميّة. لذا بغض الطرف عن بيئتنا، فإنّ تعلّمنا وذكاءنا يلعبان أيضاً دوراً كبيراً في كيفيّة تعاملنا مع المواقف واتّخاذ القرارات. وعلى الصعيد الشخصي، أستخدم قدراتي الذهنيّة، وأعتمد على الأدّلة والبراهين ومهاراتي وحدسي في اتّخاذ القرارات وتحليل المخاطر التي تؤثر على حياة الآخرين.

كانت الإمارات العربيّة المتحدة سبّاقة في البحث عن كورونا لإيجاد لقاح آمن. كيف وجدت تعامل الحكومة مع هذه الأزمة العالميّة؟

لطالما ارتقت الإمارات فوق التّحديات العالميّة ومهّدت الطريق للقيام بالعمل الإنساني وإدارة الأزمات. واستكمالاً لإرث صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الأب المؤسس لدولة الإمارات العربيّة المتحدة، والتزاماً من الدولة بمساعدة أكبر عدد ممكن من الناس، تقدم الإمارات العربيّة المتحدة المساعدات الإنسانيّة للدول الأخرى لتخفيف معاناتها ومساعدتها على إعادة التأهيل. وبذلك، أظهر قادتنا كيف يمكن لأيّ دولة أن تستخدم بنيتها التحتيّة لتصبح مركزاً لتوزيع المساعدات، حيث باتت الإمارات بمثابة مزوّد رائد لمعدّات الحماية الشخصيّة PPE إلى 120 دولة محتاجة. وبصرف النظر عن كونها واحدة من أولى الدول التي تقدم اللقاح المجاني بأكثر الطرق تنظيماً لجميع المواطنين، فقد قدّمت الحكومة عدداً كبيراً من مبادرات الدعم أيضاً. حيث عرض صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة لدولة الإمارات العربيّة المتحدة، دفع جميع تكاليف علاج الحالات الحرجة من مصابي كورونا عن طريق الخلايا الجذعيّة. كذلك، قدّمت منظّمات مثل الهلال الأحمر الإماراتي الرعاية لأسر المتوفّين جرّاء الوباء، بغض النظر عن جنسيتّهم. وتشمل هذه اللفتة، التي تمثّل جزءاً من مبادرة الدولة «أنتم بين أهلكم» عدّة خطوات حيويّة وتعزّز برامج المنظمة الخيريّة في مجال الخدمات الاجتماعيّة.

أين ترين دولة الإمارات من كلّ التطوّرات في مجال البحث الطبّي العالمي اليوم؟

لدى الإمارات القدرة على النمو لتصبح منبع التميّز لجهة البحث والتطوير العالمي. فقد أعطانا قادتنا أساساً قويّاً جداً، من حيث البنية التحتيّة والبيئة والموارد وهم يلتزمون بالمستقبل. وبالفعل تتغنّى الإمارات العربيّة المتّحدة بالكثير من المزايا والمواهب، فالأكاديميّون والعلماء والمعلمون والمفكّرون في أمّتنا على قدم المساواة مع الأفضل في العالم. لذا حان الوقت لنا جميعاً لإنشاء علاقات تعاون مستدامة والتعلّم من التطوّرات التي تحدث في أماكن أخرى من العالم.

ما الذي نحتاجه في العالم العربي لتفعيل قطاعات البحث التي تثبت يوماً بعد يوم أهميّتها لبقاء البشريّة؟

إنّ التعاون الإقليمي في التنمية العلميّة هو المفتاح لجعلنا أكثر استعداداً للمستقبل وخلق الجيل القادم من القادة والعلماء. ويتمتّع العالم العربي بتاريخ طويل من الاستكشاف والسفر، ونحن بحاجة إلى تحقيق مزيدٍ من التطورات العالميّة حتى تتمكّن الأجيال الشابة، وخصوصاً الطالبات، من الوصول إلى فرص التعليم والتعلّم بسهولة أكبر. والواقع أنّ منطقتنا قد حققت تقدماً مذهلاً في الخمسين عاماً الماضية والآن هو الوقت المناسب للاستثمار في بناء مراكز التميّز، أي الاستثمار في الأجيال الشابة ومنحها بيئة للتفكير والإبداع.

بسبب ما أظهرته جائحة كورونا، لم يعد ينظر إلى الدول بما تمتلكه من أسلحة، وغير ذلك، بل بما تقدمه في مجال الصحة والسلامة لجميع أفراد المجتمع، ونحمد لله أنّ دولة الامارات احتلّت مرتبة الصدارة في ما قدمته من خلال أفعال قادتها التي سابقت أقوالهم، سواء في تأمين الفحوصات والعلاج واللقاحات للجميع .

ونحتاج إلى مركز عربي للأبحاث بهدف تبادل الخبرات وتضافرها مع بعضها البعض ، لنصنع الفرق ونحمد الله في وطننا العربي الكثير من الباحثين والعلماء الذين ساهموا وما زالوا يساهمون في أبحاثهم. ومن خلال هذا المركز يمكننا تحقيق المزيد بإذن الله.

أنت قائدة ناجحة لفريق رائع. هلّا أطلعتنا على وصفتك للنجاح؟

القائد يحتاج إلى التعاون مع الأشخاص حوله ومشاركة نجاح العمل من أجل تحسين المجتمع وخلق بيئة يستطيع الناس من خلالها تحقيق إمكاناتهم.

شاركت في إصدار خمسة تشريعات مهمة لمصلحة كلّ مواطن إماراتي. ماذا تعني لك هذه الإنجازات وكم يعني لك أنّك خدمت أبناء وطنك بتفانٍ؟ ومن بين المناصب الهامّة التي شغلتها، أيّها الأقرب إليك؟

إنّ دوري كمؤسّسة ورئيسة مجلس إدارة جمعيّة الإمارات للأمراض الجينيّة GDA وباعتباري العالِمة الأنثى الأقوى، فذلك يمنحني فرصة كبيرة لإحداث التغيير والتأثير على صنّاع القرار. وأعتبر إحدى أكبر الفرص بالنسبة إليّ تتمثّل في قبول المجتمع لتقديمي مفهوم الفحص الطبّي للسكّان والوقاية لشعبنا. فنحن نعلم مدى أهميّة هذه الخطوة، وبالتالي كنت ملتزمة تماماً بإنجاحها. ولذلك، التقينا بموظّفينا في جميع أنحاء الإمارات العربيّة المتحدة، بما في ذلك المناطق النائية واستمعنا إلى ملاحظاتهم وفهمناها. وقد تعلّمنا من ملاحظاتهم وأنشأنا برامجنا لجعل التعليم والوعي جوهر المشروع. ثمّ أنشأنا خارطة طريق واضحة ومدعومة علميّاً، وشدّدنا على القضايا الهامّة مثل الخصوصيّة والسريّة والموافقة في برنامجنا. كذلك، يتيح لي هذا المنصب أيضاً تعزيز تكافؤ الفرص وإتاحة المزيد من فرص التعلّم والعمل للفتيات والنساء.

دولة الإمارات ليست غنية بما تمتلكه من النفط، بل بما استثمرته في البشر وفي المعرفة من أجل خير الإنسانية، وخير دليل على ذلك مسبار الأمل، أوّل مسبار عربي وإسلامي وصل إلى كوكب المريخ.

بالنسبة إليّ المنصب هو ما تقرأه في عيون الآخرين التي تشع بريقاً، هو في رسم الابتسامة على الشفاه الشاحبة لهذا المريض أو ذاك، المنصب هو التزام وتعهد بالعطاء دون حدود. لم أجلس على كرسي إلّا لأفكّر وأتحرك حولها وأبتعد عنها لأعمل وأحدث الفرق الذي يمنحني شعوراً غامراً بالسعادة .

مَن الشخص الذي يمدّك بالإلهام والدافع، والذي أعطاك الثقة للشروع في تحقيق أحلامك بدون المرور بلحظات من الشكّ أو التردّد؟

والدتي هي ملهمتي، حيث أشعر أنّ كلّ شجاعتي وفهمي للمجتمع وثقافتي تأتي من والديّ اللذين ضحّيا كثيراً لتقديم تعليم وتربية جيّدة لي ولإخوتي. ويشكّل دعم والدتي وتحفيزها أساساً كلّ ما أفعله.

ما نصيحتك لكلّ شابّة طموحة تعتبرك قدوة؟

تقضي نصيحتي لها بأن تتابع أحلامها وتعمل بتعاون، وأن تبقى متواضعة وتعترف بقيمة المجتمع الذي يدعمها. النجاح هو ليس نهاية المطاف، وفي سباق التميّز لا خطّ للنهاية كما يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد. وما وصلت إليه لم يكن سهلاً ولم يكن طريقاً مفروشاً بالورود، بل ربّما كان تراكماً لمحطّات فشل تكلّلت بالنجاح الذي يُعتبر بمثابة القوّة الدافعة لقهر التّحديات، طالما أنّ الإنسان لديه القدرات الذهنيّة والمهارات والأمل والرؤية والأهداف والخطّة لتحقيق ذلك.

كيف يمكنك من خلال موقعك المساهمة في دعم المرأة الإماراتيّة في المجالات البحثيّة والطبيّة؟

أتاح لي العالم الرقمي حقاً الوصول إلى جمهور أكبر، والتواصل مع الفتيات اللواتي يعشنَ بعيداً عنّا. ويسرّني أنّ أقدم التوجيه والمشورة للطلّاب الإماراتيّين ومشاركة ما تعلّمته معهم. وبالفعل، ننشر فرص التدريب والتدرّب المهني والدراسات والتعلّم لدينا على أساس منتظم. وندعو جميع الطلّاب لاستخدام المعلومات التي ننشرها، ليس من خلال موقعنا الإلكتروني فحسب، بل أعمل أيضاً في المجالس الأكاديميّة للمؤسّسات الأكاديميّة والعلميّة وأستخدم منصّاتها لمشاركة جلساتي ورسائلي بشكل منتظم.

ما الذي تحملينه من مشاريع للمستقبل؟

المستقبل هو ما تفكّر به الآن لتملكه غداً، أو لتساعد آخرين في الحصول عليه. والمستقبل لا يتوقّف عند شخص، بل هو نتاج عمل جماعي، المستقبل هو حينما لا تقف وحيداً حتّى وإن كان الكأس الذهبي في يدك. المستقبل هو الإنسان الذي يعمل من أجل الانسان .

 

 
العلامات: مريم مطر