الشيف تركان الشعراوي: لن أترك بصمة خاصّة إلّا إذا ابتكرت وصفات جديدة وطوّرتها

مع انتشار وسائل التواصل في السنوات القليلة الفائتة، اعتدنا على وجود الكثير من الشابّات اللواتي حوّلن حبّ الطهي إلى طريقة للحصول على الشهرة، لا سيّما عبر إنستغرام وتيك توك. كما بتنا نتابع الفوديز أو محبّي الأكل الذين يرافقوننا إلى أماكنهم المفضّلة ويقدّمون شرحاً عن الأصناف التي يتذوّقونها في المطاعم. وهم محبّون للطعام والطهي لكنّهم لم يدرسوا هذا المجال لسنوات بل استفادوا من موهبتهم كي يكسبوا اهتمام الجمهور. لكن هناك طاهيات في عالمنا درسن لسنوات هذا المجال وكسرن الأنماط السائدة في تحضير الطعام واستحقّين تحيّة كبيرة لكسرهنّ الكثير من الأعراف المجتمعيّة السائدة التي من ضمنها أنّ كلّ شابّة يمكن أن تطهو. فمع أنّ هذا الأمر يمكن أن يكون حقيقة إلّا أنّ الطهي ليس مجرّد خلط مكوّنات، بل هو فنّ له أصول وقواعد، وقد ارتأت الشابة، السعوديّة تركان الشعراوي واأن تتعمّقا فيه لتقدّم تجربة مميّزة تستحقّ الإضاءة عليها.

أحبت الشيف السعودية تركان الشعراوي هذا المجال منذ طفولتها ونالت شهادة ديبلوم فيه من Le cordon bleu london، كما كان لها مشاركة في برنامج توب شيف العالم العربي، حيث وصلت إلى التصفيات الربع نهائية.

كيف أخذت قرار أن تصيري شيف وتدرسي هذا المجال؟

بدأت في هذا المجال رسمياً منذ سنة 2010 حين سافرت إلى بوسطن مع زوجي، حينها كنت قد أنيهت دراستي الجامعية وقد رافقت زوجي ليكمل شهاداته العليا، فقررت أن ألتفت لطموحي وأنمي هوايتي في الطهي. حينها لم يكن الأمر متاحاً كما اليوم في المملكة، لذلك استفدت من وجودي في أميركا كي أدرس دورات، وأعمل في مطاعم مختلفة لأكتسب خبرة متنوعة. واستمريت على هذه الحال لمدة ست سنوات، ومع انتقال زوجي إلى لندن قررت دخول أكاديمية Le Cordon Bleu المعروفة، وحصلت على شهادتين في الـ Cuisine وPâtisserie وعملت في مطعم حاصل على نجمة ميشلان لمدة شهر. بعدها انتشرت كورونا، ما حثني على العودة إلى بلدي والانطلاق في هذا المجال منه.

لماذا لا تحصل الشيف في المجتمع العربي على التقدير الذي نرى الشيفات الأجانب يحصلون عليه في مجتمعاتهم؟

لأن هذا المجال جديد على عالمنا، فيما الغرب خطا خطوات أكبر في ما يتعلق بالجامعات والأكاديميات المختصة بالطهي. فنحن حين نقول تقنيات نتكلم عن الفرنسيين، وحين نقول نكهات نتكلم عن المطبخ الإيطالي. أما في السعودية مثلاً ومعظم الدول العربية، فما زلنا في مرحلة تقبل دخول المرأة كما الرجل إلى المطبخ، كما بدأ الاهتمام من الدولة بإنشاء هيئة فنون طهي، وترافق هذا الأمر مع تقبل الناس وزيادة اهتمامهم بمجال الطهي ومختلف أنواعه وأشكاله.

إلى أي مدى تفيد الدراسة لتطوير تقنياتك وأدواتك وزيادة معارفك بمعظم المطابخ العالمية؟

الدراسة ضرورية والمتابعة الحثيثة لأجدد التقنيات أساسية أيضاً للبقاء في قلب المنافسة. فأنا لا أقوم مثلاً بقراءة وصفات وتطبيقها كما هي، إنها فكرة عديمة الفائدة لأنها لا تنتج شيئاً جديداً، بل يجب أن أبحث عن التقنية لأتعلمها وأطورها في وصفة من اختراعي. ويجب التعلم ممن سبقونا والاستفادة من خبراتهم، إنما هذا لا يعني أن ننسخ عنهم بل نبني على ما وصلوا إليه كي نطور أسلوبنا الخاص. واستفدت كثيراً من وقتي في بوسطن حيث تعلمت الكثير من التقنيات وكذلك الأمر خلال وجودي في لندن. لكنني لم أتوقف عند هذا الحد، بل دخلت سريعاً مجال التطبيق والتطوير لأنني لن أترك بصمة خاصة إلا إذا ابتكرت وصفات جديدة وطورتها عن الشكل المعتاد.

حدثينا عن تجربة "توب شيف" وعن الشهرة التي حققتها في المملكة بعد الانتهاء من تصويره؟

كانت تجربة مفيدة سمحت لي بدخول بيوت السعوديين. وكان الأمر مميزاً وعزيزاً على قلبي لأننا خضناها في بلدي وتحديداً في الرياض. ولم تكن سهلة أبداً بل واجهت العراقيل، لكنني في النهاية كسبت حب الناس. فقد كنت أول بنت سعودية درست الطهي وتمكنت من المنافسة بشراسة على اللقب. وفرحت كثيراً بكل رسائل الدعم التي تلقيتها من بنات بلدي، فالشابة السعودية التي تمكنت من النجاح في مجالات الطب والهندسة والحقوق والفن، ها هي تبرز في مجال جديد وتصل فيه إلى أعلى المراكز.

تحلمين بتأسيس أكاديمية لتعليم الطهي فأين وصل مشروعك؟ وهل يغريك افتتاح مطعم تقدمين من خلاله مأكولاتك الخاصة للجمهور العريض؟

لا يفارقني حلم الأكاديمية لكن يوجد الكثير من التفاصيل والخطوات التي يجب السير بها ببطء إنما بثبات كي تكون النتيجة على قدر طموحي. أما افتتاح مطعم فهو احتمال بعيد جداً عني لأنني ببساطة لست سيدة أعمال أو مديرة، ولا أحب أن يسرقني شيء من التركيز على الطهي، ولا أحب تكرار النشاط نفسه بشكل يومي، لذا لا يمكن أن ألتزم بالذهاب إلى مطعمي أو بتحضير الأطباق ذاتها لوقت طويل. ولا أرغب أن أكون مديرة أو قائدة فأنا أفضل أن أتعلم وأستفيد وأطور نفسي كشيف، لكن هناك أفكار متنوعة تخولني تعريف الجمهور العريض على وجباتي، قريبة من فكرة المطعم إلا أنها لا تحمل لي هذا القدر العالي من الالتزام بالدوام أو بتفاصيل إدارية ترهقني ولا أجد نفسي بارعة فيها.

ما الذي يميز أطباقك وما هو سبب اهتمامك الكبير بالشكل النهائي للطعام الذي تحضرينه؟

كل طبق أحضره له قصة، فأنا أضع فكري الخاص في تكوين النكهات وخلطها كي تأتي النتيجة النهائية مذهلة وغير مطابقة لأي توقعات. وأجلس قبل البدء بالتنفيذ وأرسم الطبق في ذهني، وأخلط النكهات وأفكر بها، ما يأخذ الكثير من الوقت والجهد المسبق، وأحس أنه عالمي الخاص الذي يجلب لي السعادة. وتسعدني كثيراً ردود الفعل الإيجابية التي تشبّه أطباقي بالأعمال الفنية، فأنا أوليها اهتماماً كبيراً جداً ولا أرضى إلا بشكل جديد ومختلف لكل صنف أحضره. وأستمد إلهامي من والدتي وجدتي وكل النساء اللواتي سبقنني في ابتكار وصفات من مكونات موجودة في ثلاجة كل بيت. فأذكر كيف كانت والدتي تبحث عما هو متوفر لتضعه أمامها على الطاولة وتقدم لنا طبقاً جديداً مليئاً بالنكهات الرائعة. وهذا ما يعنيني من المطبخ، أن أبتكر تجربة جميلة لكل من يتذوق طعامي وأفاجئهم بنكهات لم يعتادوها وبشكل مميز لن ينسوه لوقت طويل.

صفحتك على إنستغرام [email protected] لا تشبه ما يقدمه الكثير من الشيفات، فكيف تختارين محتواك؟

لاحظت قبل دخول هذا العالم التشابه الكبير بين صفحات الطهاة العرب، ولم أرد أن أكون واحدة من ضمن آلاف. واخترت التميز وتقديم ما يعكس شخصيتي، لذا تجدين مضموني مختلفاً. فأنا لا أستعجل النجاح بل أؤمن أنه يتطلب خطوات كثيرة ومدروسة بعناية. لذا أشعر بالسعادة بسبب ازدياد أعداد متابعيني بشكل غير سريع إنما ثابت، وأحب التعليقات الإيجابية التي أتلقاها منهم. وبرأيي أن الناس في العالم العربي انجذبت نحو الفوديز والـ"فود بلوغرز" أكثر من الشيفات لأنهم برزوا قبلنا عبر وسائل التواصل ووصلوا إلينا من الدول الغربية أيضاً، لذلك لم يعتادوا على لقب شيف أو أن تكون الشابة شيف معتمدة وليس طاهية منزلية استطاعت بطعامها الذي يشبه ما يقدمونه في منازلهم، أن تستقطب انتباههم وتجذبهم لمتابعتها. ولا أقول إن هذا الأمر سيء، بل على العكس فكل شخص ناجح له أسلوبه الذي جعله يصل إلى الجمهور. إن الوقت الحالي بات يشهد على نجاح شيفات من النساء والرجال وتسليط الأضواء على إنجازاتهم وما يقدمونه عبر وسائل التواصل أكثر من قبل.

حدثينا عن عاداتك في شهر رمضان؟

أنا سعيدة جداً لأنني أقضي الشهر الفضيل للعام التالي على التوالي مع أسرتي في السعودية، فالأجواء تكون مليئة بالروحانيات وتعم مظاهر الخير والبركة البلد بأسره، وتكون فرصة للتسامح والتلاقي والعطاء. وأحاول خلال هذا الشهر ألا أدخل المطبخ كثيراً إذ أفضل الراحة وأداء العبادات. كما أركز على الأطعمة الخفيفة التي لا تزعجني وتسمح لي بصوم سهل في اليوم التالي، وهذا أمر اعتدنا عليه في أسرتي، حيث لا نكثر من الأصناف ونركز على السلطات والحساء والمقبلات الشهية المعروفة على مائدتنا الرمضانية في المملكة. وأنتظر أوقات الإفطار كي أتناول شوربا الحب والسمبوسة، فهذه الأصناف هي نقطة ضعفي التي تعيدني إلى طفولتي وترجع إليّ أجمل الذكريات.

 
شارك