إيمانويل لطيف: لم أتخيّل أن أكون بهذه القوّة

من قلب الدمار الذي عاشته بيروت بعد الإنفجار الكبير الذي هزّها، قصص كثيرة برزت أظهرت معاني الإنسانيّة بأجمل صورها، وقد اخترنا التعرّف إلى إيمانويل لطيف، والدة الطفل جورج خنيصر الذي أبصر النور في مستشفى محطم بعد الإنفجار واضطر الأطبّاء إلى الاستعانة بأضواء الهواتف ليضمنوا سلامة ولادته.

هل كنت تعتقدين أنّك تملكين القوّة لتعيشي ما مررت به؟

لم أعتقد يوماً أنّه من الممكن أن يحدث لي ما حدث ولم أتخيّل أن أكون بهذه القوّة، إذ كنت أستمدها من فكرة أنّه بعد لحظات أو دقائق سأحتضن إبني، ممّا كان كفيلاً بأن أتجاوز ما أراه.

ما هي الأفكار التي كانت تجول في بالك وأنت تدخلين عرفة العمليات، بماذا شعرت لحظة الإنفجار؟

كنت سعيدة جداً عند دخولنا غرفة الولادة، فدقائق قليلة تفصلني عن لقاء إبني وهي اللحظة التي كنت أحلم بها طيلة تسعة أشهر. دخلنا غرفة الولادة وكنت أنظر إلى زوجي، فجأة شعرنا بهزّة وارتجّ كلّ ما حولنا. وما هي إلّا لحظات قليلة حتّى وقع الإنفجار وتحطّمت النوافذ والألومنيوم وشعرت بقوّة كبيرة رمت السرير الذي كنت عليه من الجهة اليمنى إلى اليسرى.. طيلة ثوانٍ لم نكن على علم بما يحصل وكنّا جميعاً تحت هول الصدمة إذ تحطّمت الغرفة بالكامل ولم يبقَ منها شيء يُذكر.. كنت مغطّاة بالزجاج فسارع زوجي والطاقم الطبّي إلى رفع الزجاج عنّي وأخذي إلى مكان آمن بعيد عن النوافذ لتتمّ عمليّة الولادة التي طالت مدّة ساعة بعد وقوع الإنفجار. وهنا أودّ أن أشكر الطاقم الطبّي على المجهود والكفاءة التي تمتّعوا بها وعلى رأسهم الدكتور ايلي أناستسياديس فلولاهم لما كان ولد جورج إبني بصحّة وسلامة.

كيف تمالكت أعصابك لتلدي صغيرك مع كلّ الخراب السائد؟

كنت طيلة الوقت أفكّر بإبني وأتمنّى أن يكون بخير، بكل صراحة هو من أعطاني القوّة والصبر في هذه اللحظات الصعبة. ولا ننسى أنّ قدرة إلهية عظيمة استمديت منها قوّتي وحمت الجميع.

‎متى ضعفت أو انهرت بعد كل ما حدث؟

ضعفت عندما رأيت إبني واحتضنته وسط الدمار الشامل فلم يكن بمقدورنا البقاء في المستشفى ولم نكن على علم بما ينتظرنا في الخارج. إذ كنت أحتاج إلى دخول مستشفى آخر ولم أكن بخير فارتفعت حرارتي فجأة وبدأت أرتجف ولم يكن بوسعي تحريك قدميّ ونُقلت إلى الخارج على كرسي بلاستيكي. إلّا أنّني بخير اليوم وأنظر إلى ما حدث على أنّه ذكرى أليمة انتهت وعليّ أن أتماسك من أجل عائلتي وطفلي.

تصوير: جانيس صراف تابت‎

هل من صورة معيّنة من الحادث لا يسعك نسيانها؟

ما آلمني بشكل كبير كمّ الدمار الذي رأيته ونحن نخرج من المستشفى والضحايا والجرحى الذين كانوا على الطرقات... هذا أكثر ما فطر قلبي وأحزنني وجعلني أشكر الله ألف مرة أنّنا بخير.. ما آلمني أيضاً أنّ طفلي وُضع في وعاء كبير ولُفّ بشرشف بسيط وتنشّق هذا الكمّ الهائل من الغبار والتلوّث بعد الإنفجار وكنت طيلة طريقنا الى مستشفى آخر أتحسّس نبضه وأحرّكه كي يبكي وأتأكّد أنّه بخير.

أصبح طفلك الصغير بطلاً ورمزاً للأمل والحياة، فبماذا تعدينه وكيف تتحضّرين للمستقبل معه؟

أعده أنّني سأحميه بكلّ ما أُوتيت من قوّة وسأعلّمه أن يكون ممتنّاً طيلة حياته للربّ الذي حمانا وجعلنا نخرج بخير من هذه الحادثة القاسية.

ما الذي عناه لك الدعم المجتمعي الذي تلقّيته من لبنان وباقي العالم؟

كلّ ما سمعته أو تلقّيته من تعليقات إيجابيّة أثّر فيّ ومدّني بالقوّة، وأنا أشكر جميع الناس على مساندتهم لي ولعائلتي وأتمنى ألّا يختبر أحد ما عشناه وألّا تمرّ هذه الويلات على أحد.

ما الذي غيرته هذه التجربة في حياتك وشخصيّتك؟

غيّرت الكثير فمن يرى الموت أمام عينيه يصبح ممتنّاً أكثر لنعمة الحياة ويتمسّك بتفاصيلها ويزداد إيمانًا بالله ويشكره على نعمه.

‎ماذا تقولين لتشّجعي أبناء بلدك ليستمرّوا في الكفاح لتحقيق تغيير حقيقي في مجتمعهم؟‎

أوّلاً أتقدّم بأحرّ التعازي لكلّ العائلات التي خسرت فرداً من أفرادها وأؤكّد أنّني آمل كثيراً بالجيل الجديد الذي أثبت جدّيته في إعادة الإعمار والوقوف بجانب من تأذوا من الإنفجار. فالشعب الذي يتماسك بهذه السرعة ويقف جنباً إلى جنب قادر على القيام بالمعجزات.