صاحبة قضية واضحة، وصوت متمكن وجميل يلامس عمق المشاعر الإنسانية، تتألق النجمة الشابة فايا يونان في مجال الفن غناءً وتأليفاً وتمثيلاً، تجمعها الموهبة بأربع فنانات شابات منهن ساندرا ساهي التي تبرز تنوع خلفيتها الثقافية في كلمات وألحان وأغان مبهرة، وأروى السعودية التي تركز على العربية الفصحى في أعمالها، ونور حلو صاحبة الإحساس العالي والرومانسي، وتيارا الممتألئة بالطاقة والحركة في صوتها وأدائها.
5 نجمات يتمتعن بالصوت الآسر والحضور القوي والإحساس العالي، ويخضن المجال الفني، بثقة كاملة بالذات، ورغبة بإيصال موهبة رائعة إلى الجمهور الأوسع. كل واحدة متميزة بخطها وأسلوبها وهويتها الفريدة، هنّ بطلات قصص نجاح أحياناً أتى سريعاً وفي أوقات أخرى تطلب وقت وجهد وتخطيط وإصرار واقتناص لفرص نادرة، لتكون النتيجة أغان وإنتاجات مميزة تعزز وتثري الوسط الفني العربي، وتتجه لجيل جديد من الذواقة لمختلف الأنماط الموسيقية. تعرفي على أصواتهن القوية واكتشفي مسارهن المهني الناجح في عالم الغناء.
يشبه الاستماع لصوتها الدخول في حلم جميل نتمنى أن لا نصحو منه، ففيه دفء وحنين وسلام ومشاعر أحياناً خافتة وفي أوقات أخرى صادحة تنطق بالكثير عن قضايانا وأفكارنا. إنها المغنية والممثلة السورية فايا يونان التي تنسج هوية فريدة في سماء النجومية، حاملة شعار “الفن الهادف”، فتعرفي عليها وغوصي في عالمها من خلال هذا اللقاء.
من الولادة في سوريا إلى المراهقة في السويد ثم الانتقال للدراسة في إسكتلندا وبعدها احتراف الفن في لبنان ومن ثم التواجد في الإمارات وفي عدة بلدان بسبب نشاطاتك الفنية، كيف أثّر هذا التنقل المستمر على شخصيتك التي تكونت منذ الطفولة وحتى اليوم؟
عدم الاستقرار والتنقل الدائم له سلبياته وإيجابياته، حالياً ومع ازدياد نضوجي وكثرة نشاطاتي الفنية التي تتطلب مني السفر، صرت متصالحة معه، وأدرك أن الإستقرار لا يعني مكان تواجد الجسد، بل هو أمر نفسي ينبع من الداخل، صحيح أني أتعب أحياناً وأرغب بأن أتوقف عن توظيب حقائبي والتواجد في المطارات، ولكني بتّ أحب السفر فهو يعرفني على أناس مختلفين ويكشف لي أبعاداً جديدة عن العالم، حتى في الوطن العربي حيث رصدت مدى الاختلافات الثقافية بين الشعوب، فضاعف هذا من ثراء شخصيتي وأفكاري ومعارفي.
أنا تركت حلب حين كنت في الحادية عشر من عمري، وفيها عشت أطول فترة استقرار، بين رفاقي في المدرسة وأهلي وعائلتي الأكبر، في المرحلة الأولى من الانتقال حزنت وغضبت لأني تركت عالمي بكل من فيه من أصدقاء ومعارف، إنما لاحقاً أدركت أن الحياة عبارة عن دائرة فنحن دائماً سنودع أشخاص ونستقبل غيرهم، وحينها بدأت أتأقلم في السويد، وأعطتني الحياة فيها الكثير من القوة، حيث أن العيش في أوروبا يتطلب الاعتماد الكامل على النفس، والاستقلالية في التصرف والتفكير، وأنا ممتنة للاهتمام الذي يوليه الأوروبيين لتنمية المواهب لدى الطالب، ففي المدرسة تعلمت الطبخ والموسيقى والرياضة وحتى النجارة.. كان هذا التنوّع الذي تعرضت له كفيل بجعلي مقتنعة بأني قادرة على القيام بأي شيء أرغب به، فأنا لا أنتظر الفرص بل أخلقها..
حين انتقلت إلى اسكتلندا للدراسة، واجهت صعوبة في التأقلم بعيدة عن أهلي والمحيط الذي اعتدت عليه، ووجدتها بعيدة عني ثقافياً ولكن التجربة الجامعية فيها جعلتني أقترب أكثر من نفسي وأفهمها، جربت الوحدة وتصالحت معها، ثمّ قررت دخول المجال الفني وتوجهت إلى لبنان وتحديداً بيروت، اكتشفت روعة المدينة التي تجمع بين الشرق والغرب فأحسست وكأني في بيتي، حيث تعرفت على ملحنين وشعراء وموسيقيين وانسجمت معهم وقدمت أول أعمالي، ومن لبنان انفتحت أكثر على العالم العربي، وتوجهت نحو الأردن ومصر والخليج.. لذا لا أتخيّل نفسي من دون التنقل والسفر.
في ظلّ كل تنقلاتك وأسفارك، هل فقدت سوريا الأم وكيف تحافظين عليها داخلك؟
سوريا هي موطني الأول، فأنا لم أفقد يوماً انتمائي إليها ولا سيما الشام. ففي كل سنوات الحرب كنت أقصدها ولا يمكن أن أغيب عنها وسأظل أقصدها وأنا متفائلة بالتغيير الحاصل فيها كثيراً. هويتي سورية أصيلة من طفولتي إلى اللهجة التي أتكلم بها، وتعلمي القراءة والكتابة والغناء. وصحيح أنه مرّ زمن طويل على عيشي واستقراري خارجها، ولكنني أحملها في قلبي حتّى وإن كنت أتنقّل بعيداً عنها.
في سنّ 23 وقبل 10 سنوات، قررت دخول المجال الفني، كان القرار بوعي وإدراك للاتجاه الذي ستسلكه حياتك بعده، فكيف اتخدت هذه الخطوة عن قناعة ورغبة حقيقية بأن تبدأي بالغناء؟ وما الذي تغيّر فيك من وقتها وحتي اليوم؟
كان القرار أكيداً وواعياً فالغناء كان حلم طفولتي الذي لطالما اعتبرته صعب المنال، وهذا الشغف رافقني بكل مراحل حياتي، صحيح أني درست العلم الاجتماعية وعشت بفكرة عدم تقبل المجتمع للاتجاه نحو الفن فهو مجال صعب ولا يعتبر طريقاً سهلاً لتحقيق النجاح، ولكني حين أطلقت أغنية مع أختي وحققت الكثير من النجاح المحلي والعالمي، عرفت أن عليّ استغلال هذه الفرصة لكي أبدأ بشكل احترافي، فكان القرار في وقته، وبدأت بإطلاق أغنيتي الأولى عام 2015، لم يتغير الشغف بل ازداد لأن كل خطواتي كانت مدروسة ومحسوبة، فأنا أعرف هدفي من الغناء وهو أن أنقل مشاعر قوية وحقيقية للناس، وحين يقابلني أحدهم ويخبرني أنه يحب أغنياتي يمكن أن أدمّع.
ما تغيّر هو ازدياد خبرتي ونضوجي الفني ومعرفتي بكيفية التعامل مع الوسط، اليوم أحب أني في الثلاثينات من عمري، وأتمنى أن ينعكس نضوجي وسلامي الداخلي على الفن الذي سأقدمه لاحقاً.
قمت بخطوة غير مسبوقة حين قررت جمع التبرعات لإطلاق أغنية، فكيف تبلورت هذه الفكرة، وهل تعتبرين أنك أسست لنهج جديد حيث لم تلتزمي بمعايير إيجاد شركة منتجة ومحتكرة لفنك، فتطلقي أغنية من الناس وإليهم؟
أردت البدء بالغناء ولكني لم أعرف الطريقة الأمثل لذلك، وتلقيت بعض العروض ولم أجدها مناسبة لمشروعي، فاقترح عليّ مدير أعمالي في وقتها حسام عبد الخالق فكرة Crowdfunding وكانت غريبة ورفضتها بسبب وجود الحرب في بلدي، فالناس تجمع التبرعات للمهجرين والمتأذين من ويلاتها، بينما أنا راغبة بها من أجل إطلاق أغنية، ولكنه أقنعني بأن الفن هو آلية بقاء نفسية، فنحن حين نعطي الأمل نكون قد ساهمنا في مساعدة الناس، حينها اقتنعت ونجحت الحملة وأطلقت الأغنية، وبعد عامين وصلتني رسالة من غينيس، يخبروني فيها أني كنت الفنانة الأولى في العالم التي تقدم أغنية معتمدة على تمويل الجمهور. عرفت حينها أهمية المخاطرة التي قمت بها، وأدركت أنه في المجال الفني هناك دائماً مخاطرات، ولا يوجد شيء ثابت، فكل عمل جديد سينتظر حكم وذوق الجمهور، وعلينا العمل دائماً على تقديم ما نراه أجدد وأفضل. بالنسبة لعدم تواجدي مع شركات منتجة، فأنا مؤمنة بالنمط الفني الذي أقدمه، وبأن الجمهور يريد كل الأنواع الموسيقية والغنائية، حتى إن لم تلقى اهتماماً من ممولين كبار في السوق.

ما هي الهوية أو البصمة الفنية التي تميزك؟
أقدم الفن الهادف، فكل أغنية أطلقها فيها فكرة جديدة، صحيح أني أستمع إلى كل الإصدارات الجديدة والأنماط الموسيقية الموجودة على الساحة، ولكني ملتزمة بغناء موجّه، يعتبرني البعض مغنية لغة عربية فصحى، أو أني أقدم أغان وطنية وذات قضايا مهمة، وأحب هذه التصانيف لأنها تعني أنّ الجمهور يميزني ويعرف أني صاحبة خط خاص. أرى اليوم تغيرات واضحة في الذوق العام عربياً وظهور أسماء جديدة تستعرض أنواعاً جديدة من الأفكار والقضايا والمشاعر، وأحترم هذه التجارب لأن الفن هو مجال واسع للتعبير، وهناك مكان للجميع ولكني أشعر أن النقلة الكبيرة عربياً لم تحصل بعد، ونحتاج إلى المزيد من المواهب والأسماء والإصدارات لكي نحققها.
بين ألبومك الأول “بيناتنا في بحر” والثاني “حكايا القلب” والثالث “أصواتنا” كيف تطورت وما الذي تغيّر في أسلوبك الفني؟
أحرص على تقديم أعمال لا تشبه بعضها، في ألبومي الأول كانت الأغاني وجدانية، فيها الكثير من الحنين والمشاعر القوية عن بلدي سوريا، وفي “حكايا القلب” استعرضت مجموعة حكايا عن طريق الأغاني، فقدمت أغنية جاز وأخرى صوفي إلكترونية، وفي الألبوم الثالث، خرجت كلياً من منطقة الراحة الخاصة بي، لأني قدمت أغان بلجهات مختلفة، مع إيقاعات ومقامات تراثية، فغنيت التونسي بإيقاع 6 على 8 الصعب، وكذلك الجزائري بإيقاع جديد كلياً عني، والعراقي على مقام السيغا وإيقاع الجورجينا، فكان المشروع ثقافياً واسعاً، تطلب مني توسيع معارفي باللهجات واكتشفت من خلاله مدى التنوع في الموسيقى والتراث العربي.
خضت قبل مدة تجربة التمثيل في عملين دراميين هما “تاج” و”ذهب غالي”، فكيف اقتنعت بهذه الخطوة في هذا الوقت بالتحديد؟
أحببت التمثيل منذ صغري وكنت أجمع أقاربنا لكي أقدم أمامهم مسرحيات أو اسكتشات صغيرة، وأردت خوض هذا المجال وتلقيت الكثير من العروض سابقاً ولكني رغبت بتثبيت نفسي كمغنية قبل ذلك، وحين أتتني العروض المناسبة خضتها بكل حب وشغف وأعطيت من قلبي وسعدت كثيراً بالعملين، لأني شعرت أن الشخصيتين فيهما شيء مني، وأرغب بالتأكيد مستقبلاً في تقديم المزيد من الأعمال الدرامية.
ما هي المشاريع التي تحضرينها للمستقبل، وما الجديد الذي ستقدمينه لجمهورك؟
أحضّر لألبوم جديد ستكون أغانيه من تأليفي وألحاني، وبالمناسبة فأنا أعشق الكتابة وأعتقد أني لو لم أكن مغنية فسأكون كاتبة، أحب الأدب والقراءة والتعبير عن قصص مختلفة من خلال الكلمات، لذا أعتقد أن الوقت قد حان لكي أفتح قلبي ومشاعري أمام الجمهور، صحيح أني لحنت نصف الأغاني التي قدمتها وكتبت أغنية واحدة فقط هي “متل اليوم”، لاقتناعي أن الكلمة حميمة جداً وفيها كشف أكبر للداخل، لذا أجلت هذه الخطوة لحين صرت مستعدة مئة بالمئة لها، وأاستعد حالياً لتقديم مجموعة أغان من توقيعي بالكامل، إذ تعجبتي كثيراً تجارب الفنانين الذين يقومون بأعمالهم كاملة، من كتابة وتلحين وغناء وربما أديل وهي نجمتي المفضلة في مقدمتهم، فأنا معجبة كثيراً بقدرتها على تحويل كل ما تمر به إلى قصة غنائية، وهذا الأمر غير منتشر عربياً بشكل كبير فنحن نتبع نمط ثابت: فيه كاتب وملحن ومغني، ولكني اخترت كسر القواعد والقيام بهذه المخاطرة، وأتمنى أن تصل أفكاري بعمق وتجرد وصدق إلى الجمهور.
مستقبلاً أحب تقديم فيلم غنائي مع قصة كاملة وقوية وأغان من ضمن السياق الدرامي، كما أرغب بتقديم المسرح الغنائي، فاليوم بعد أن خضت تجربة التمثيل، أعتقد أني صرت مستعدة لأن أقدم عملاً يجمع بين الأداء الدرامي والغناء والموسيقى.
اقرئي المزيد: مايان السيد تسطع بقوة في سماء النجومية
















