أخبار

كيف تواكب الماركات العريقة توجهات الجيل الجديد

كيف تواكب الماركات العريقة توجهات الجيل الجديد

حين نتحدث عن الماركات العريقة، نتحدث عن علامات تجارية تشكّل جسر عبور ما بين إرث الماضي ورؤية المستقبل. فانطلاقاً من تاريخها الغني وأصالتها المتجذرة، تنطلق الماركات بقيم تحاكي الواقع العصري وتغيّر استراتيجياتها لتتكيّف مع كل جديد.

سوق واحد… علامات كثيرة

يضمّ سوق الجمال عدداً كبيراً من العلامات التجارية، منها ماركات ودور عريقة. وتتميّز كل علامة تجارية بخصائص فريدة، بتاريخ مكتوبة سطوره بلغة مختلفة، بمجموعة من القيم تتناقلها أجيال المستهلكين والعملاء على مرّ السنوات. وغالباً ما تبني العلامات العريقة سمعتها على الجودة والاتساق والموثوقية والالتزام الكبير بالحفاظ على رضا العميل.

وبمرور الزمن، تتمسّك العلامات العريقة بتاريخها وتواصل سرد قصصها، فتبني عليها علاقاتها مع أجيال العملاء.

التطوّر مع الحفاظ على الأصالة

لا شكّ في أنّ أمامنا، نحن المستهلكون، خيارات جمالية كثيرة، حيث تنضمّ إلى العلامات العريقة في كل مرة ماركات جديدة تقدّم رؤية مختلفة وتكشف عن تركيبات تكون أحياناً غير مسبوقة. وبما أنّ تفضيلات المستهلكين تختلف مع كل جيل، يمكن أن تواجه العلامات العريقة تحدياً في كيفية الحفاظ على أصالتها: “كيف يمكن الحفاظ على الحرفية الأصيلة والجودة العالية والقيم الراسخة بدون أن تبدو العلامة بصورة سطحية”.

وفي المقابل، من الضروري أن تظلّ العلامة ذات صلة بواقعها. فعدم التكيّف مع التقنيات الجديد أو مع تغيّر سلوكيات المستهلكين أو مع الاتّجاهات الناشئة قد يعيق مسارها كعلاقة عريقة.

وفي هذا السياق، يقول السيد أنيس عبدالرزاق، المالك المشارك لمجموعة الرصاصي ومؤسسة علامة Canéza: “لا تُقيّم العلامات التجارية التي تواصل ازدهارها بناءً على عمرها وحده، بل على جهودها لإعادة صياغة إرثها بما يتناسب مع الحاضر. وما يمكن تطويره هو طريقة عبير العلامة عن نفسها من خلال التغليف / العبوات، والتصميم، وسرد القصص، وتجارب البيع، والقنوات التي تتواصل فيها مع الفئات الجديدة من الجمهور. أمّا ما لا يمكن تغييره، فهو الجوهر أي الهوية الأساسية للعلامة التجارية، وجودة منتجاتها، ومستوى حرفيتها، والثقة العاطفية التي تُبنى عبر الزمن. هذه هي الأسس التي تحافظ على العلامة من جيل إلى جيل، حتّى لو تطوّر سلوك المستهلك وثقافته”.

تغيّر في الاستراتيجيات

وعليه، لا يمكن للعلامة التجارية أن تنفصل عن واقعها ولا يمكنها التالي عدم مواكبة التطوّر. ومع الحفاظ على جوهرها، ما عليها سوى تغيير استراتيجياتها في التعبير عن إرثها وتاريخها لتلامس الجيل الجديد من المستهلكين الجدد.

وفي ما يأتي، نلقي الضوء على بعض هذه الاستراتيجيات.

سرد القصص أو Storytelling

تدور كل علامة تجارية عريقة حول قصة، قصة ترافقها على مدار السنوات وترسّخ مكانتها لتميّزها بين جميع المنافسين. وهذه القصة أيضاً يجب أن تتطوّر، بدون أن تفقد جوهرها طبعاً. فبدلاً من التركيز على الهيبة والسلطة كما في الماضي، يجب لفت الأجيال الجديدة من خلال الأصالة وسهولة الوصول والمواءمة مع قيمهم الخاصة.

فعلى سبيل المثال، بدلاً من حصر التواصل بالنخبة، يجب أن تعزّز العلامات التجارية حضورها على المنصات الاجتماعية، حيث يمكن للمستخدمين اليوميين من جميع الفئات التفاعل معها بشكل مباشر. فمن خلال العناصر السردية البصرية والشراكات مع شخصيات بارزة والحملات التي تسلّط الضوء على الشمول والتنوّع، يمكن للعلامات أن تربط ما بين تاريخها العريق وواقعها العصري.

وقد تبيّن حتّى أنّ تيك توك يشكّل منصة لسرد قصص العلامات التجارية. فبدلاً من بثّ رسائل تسويقية مصقولة، يمكن التركيز على ربط المنتجات بالمبدعين وصناع المحتوى على لدفعهم إلى مشاركة قصصهم الحقيقية. فشغف هؤلاء للجمال يجعلهم يقدّمون العلامة التجارية بطريقة تفاعلية وشخصية للغاية، بما يحقّق أثراً أكبر بكثير من الحملات التقليدية.

كيف يمكن تعريف الأصالة
الأصالة هي الاستمرارية المبنية على غاية معيّنة. وبالنسبة إلى علامة تجارية عريقة، تنبع الأصالة من الثقة، والحرفية، والاتساق، والفهم الواضح لقيمها. ولا يعني ذلك الإبقاء على كل شيء بدون تغيير، بل ضمان أن تعكس كل خطوة للأمام الفلسفة نفسها. وبالتالي، تكمن الأصالة في الحفاظ على الثقة والخبرة مع صقل التعبير ليناسب الجيل الجديد.

الابتكار انطلاقًا من منتجات أيقونية

عادةً ما يرتبط اسم العلامة التجارية العريقة بمنتج – أو أكثر – يُصنّف على أنّه أيقوني، إذ يشكّل جزءاً لا يتجزأ من تاريخها وقصتها. فلدار Chanel مثلاً نذكر عطر Nº5، ولدار Dior نذكر عطر J’Adore، ولعلامة Clinique اللوشن المرطب Dramatically Different Moisturizing Lotion+، والأمثلة كثيرة…

وإلى جانب المنتجات الجديدة التي تجري العلامات التجارية الكثير من الدراسات والأبحاث لإطلاقها لتلبية احتياجات المستهلكين، يمكن أن تقدّم إرثها بطريقة مبتكرة، وذلك من خلال إعادة ابتكار تركيباتها الأيقونية بطريقة تحاكي تفضيلات الجيل الجديد من العملاء وبما يتماشى مع الاتجاهات الثقافية السائدة. فهذه الخطوة الابتكارية تمنح فرصة استكشاف المنتج الأيقوني بطريقة مختلفة ومنظور جديد، فتحفظ الإرث وتجعله جزءاً أساسياً في الحوار الجمالي العصري.

وفي هذا السياق، أجاب السيد أنيس على سؤال “كيف تقرّر العلامة ما يجب إعادة صياغته وما يجب الحفاظ عليه عند تحديث منتج أيقوني؟”: “يكمن القرار في الموازنة بين الذاكرة العاطفية والتحسين الوظيفي. فمن جهة أولى، يجب الحفاظ على ما يميّز المنتج بالنسبة إلى العملاء – أي طابعه الفريد، والصلة العاطفية التي يولّدها، والمكوّنات الأساسية. أمّا ما يمكن تغييره، فيشمل الثبات وجودة المكوّنات وبعض التعديلات البسيطة في التركيبة. وعندما نتحدث عن العطور بشكل خاص، لا يشتري الفرد العطر كأي منتج، بل يحفظ غالباً من خلاله ذكرى معيّنة. ولذلك، من الضروري احترام الهوية الحسية الأصلية مع الارتقاء بالتجربة لتواكب توقّعات اليوم”.

ماذا عن رد فعل العملاء؟

يشير السيد أنيس إلى جانب أساسي، ألا وهو ردود الأفعال السلبية التي يمكن أن تخرج عن العملاء بعد تحديث منتج أيقوني. ويكون ذلك في الحالات التي يبدو التغيير مفاجئاً أو غير مبرّر بما يكفي، أو عندما تتغيّر التجربة الأصيلة التي كان يستمتع بها العميل. لذلك، يجب التعامل مع التجديد بعناية وشفافية للحفاظ على قيمة المنتج الأيقوني.

التسويق القائم على التجربة

تماشياً مع الأجيال الجديدة من المستهلكين وتفضيلاتهم، يتحوّل قطاع الجمال من التركيز على المنتجات إلى إعطاء الأولوية للتجارب. ويؤكّد ذلك السيد أنيس، حيث يقول: “يتجاوز مفهوم الجمال المنتج بحد ذاته ويصبح تجربة عاطفية غامرة وحسية. فالعطر مثلاً ليس مجرّد تركيبة نضعها، بل جزء من الحياة اليومية، يتفاعل مع مزاجنا والبيئة المحيطة والذكريات والهوية. حتّى أنّ مفهوم الفخامة اليوم يُعرّف بتأثير المنتج على المشاعر. ويعني ذلك في عالم العطور خلق تجارب تتجاوز الروائح لتتّصل بالمشاعر والحضور والذكريات”.

وللتركيز على خلق التجارب، يجب أن تتوجّه العلامات التجارية نحو التسويق القائم على التجربة أو ما يُسمّى Experiential Marketing. وهذه الاستراتيجية هي إحدى الطرق الأساسية التي تمكّن العلامة من سد الفجوة بين الأجيال وتوفير تجارب غامرة تربط المستهلكين من جميع الأعمار بماضيها وحاضرها ومستقبلها.

ولا نتحدث هنا فقط عن التجارب الإلكترونية التي يمكن اختبارها عبر الإنترنت – مثل الجولات الافتراضية وورش العمل عن بُعد – بل أيضاً عن التجارب التفاعلية والحضورية مثل المتاجر المؤقتة والحملات الترويجية المميّزة والفعاليات المختلفة. يمكن مثلاً إطلاق حملة أو فعالية تسلّط الضوء على تاريخ العلامة وحرفيتها أو جودة مجموعة منتجاتها. فبهذه الطريقة، وبفضل التجارب الملموسة، تخلق لها العلامة مجتمعاً وتعزّز الولاء والترابط العاطفي بها وبقيمها.

تأثير مواقع التواصل الاجتماعي

تساهم مواقع التواصل الاجتماعي في تعزيز العلاقة بين العلامات التجارية والعملاء، حيث تجعلها أكثر وضوحاً وتفاعلية، وقد أحدثت تغييراً في طريقة تقديم المنتجات، وكيفية سرد القصص، وسرعة تلقي التعليقات.

وبالنسبة إلي العلامات التجارية العريقة، يشكّل ذلك فرصة ومسؤولية في آن. فالمستهلكون من الفئات الشابة يتوقّعون الإبداع والشفافية والملاءمة، بشرط أن يكون ذلك حقيقياً وراسخاً في عمق العلامة وأصالة جذورها.

ويقول السيد أنيس: “لا تمانع العلامات التجارية العرقية اختبار أمور جديدة، لكن ضمن الحدود التي تحمي هويتها الجوهرية. ويمكن للإصدارات المحدودة والمفاهيم والصيغ الجديدة أن تساعد العلامات على البقاء في الطليعة، شرط أن تكون تجاربها مدروسة بعناية وليس انتهازية”.

من منظور هند سبتي، مؤسسة علامة Whind

فيما يزداد العالم من حولنا غرابة ويتزعزع استقراره، نتوق جميعنا إلى ما هو حقيقي. وهل ثمة شيء حقيقي وواقعي أكثر من أصولنا؟ ولا يجوز أن نركّز على التراث من منظور تقليدي، لأنّنا سنواجه حاجزاً منيعاً وسنحصره بمجرّد كلمات وعبارات لا معنى لها. لذلك، لتتواصل العلامات التجارية مع الجمهور العالمي، عليها أن تجد هويتها بدون أن تربط نفسها بالأصل، ولا يعني هذا الابتعاد عن جذورها، بل الانطلاق منها والتوسّع فيها. ولو أردت التحدث عن تجربتي الخاصة، أتوق إلى هذا التواصل مع البيت والوطن فيما أتنقّل بين الرحلات المتواصلة والاجتماعات الافتراضية المتتالية ووتيرة الحياة المتسارعة بشكل عام. وهكذا، أطلقت Whind، ليس لأقدّم منتجات، بل لأقدّم وجهة أعيد من خلالها ابتكار تراثي المغربي وتجسيده بالملمس والرائجة والأشياء والطقوس. جوانب لا تُرى وحسب، بل تُحسّ أيضاً. ومن خلال Whind، لم أبنِ عالماً بترجم المغرب بطريقة حرفية، بل واقعاً مفعماً بالحيوية. عالم أراه بعيني، من خلال ذكرياتي، عالم أصيل. الأصول هي نقطة البداية، ورؤية مؤسسة العلامة هي ما تحوّلها إلى وجهة تستحقّ الزيارة وإلى تجربة فريدة من نوعها.

اقرئي أيضاً: الاستدامة في قطاع الجمال لمستقبل أكثر خضاراً وصديقاً للبيئة

المجلات الرقمية

قد يهمك أيضاً

اشترك في صحيفتنا الإخبارية